الإمارات ونموذج البناء السياسي

01:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناجي صادق شراب

تتعدد وتتباين نماذج البناء السياسي من دولة إلى أخرى، وكل نموذج يعكس الخصائص الذاتية، ولا يمكن في السياسة وجود نموذجين متطابقين. ما يعنينا هنا في النموذج العربي الشامل، النموذج الخاص الذي قدمته الإمارات والذي يعتبر نموذجاً ناجحاً. إذ تقدم الإمارات من خلاله نموذج الدولة الناجحة في البناء السياسي الشامل، ودليل هذا المؤشرات المتقدمة التي تحتلها الدولة في المؤشرات العالمية في مجالات الرفاه والتسامح والإنسانية والاستقرار والحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة، ومؤشرات الاستقرار والأمن.

وهذه المؤشرات لم تأت من فراغ بل هي نتاج رؤية سياسية شاملة للمستقبل المستند إلى أصالة الماضي وواقع الحاضر ومتطلبات المستقبل، وتفهم إمكانات القوة المتاحة والممكنة، وفي كيفية توظيف الثروة في عملية بناء الدولة. وهذه هي رؤية المؤسس الأول الشيخ زايد طيب الله ثراه الذي يشكل نموذج القيادة الرشيدة وصاحب الرؤية الشمولية، ويشكل بفكره ورؤيته المكون الأساس في رؤية هذه القيادة.

وما يميز القيادة في الإمارات الروح الجماعية على مستوى الدولة، فالمجلس الأعلى للحكام وهو البنية الرئيسة لصنع القرار تعمل في إطار الكل الواحد، والسمة الأخرى هي الانفتاح على مواطنيها، وهذا شرط رئيس للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. وبناء نموذج للحكم يجسد بيئة النظام بكل متغيراته ومعطياته السريعة التحول، وهذا ما نلحظه من تواصل مباشر ومن تمكين سياسي شامل للمواطن في الدولة للمساهمة في صنع القرار والسياسة العامة وتولي أعلى المناصب. وما كان هذا ليتحقق من دون الاستثمار في هذا الإنسان وهو الذي وصفه الشيخ زايد ب«أغلى استثمار».

وهناك دور القيادة في العمل على توفير البيئة السياسية التي تسمح بالمشاركة والإبداع والإنتاج ويقابله النموذج التنموي المستدام ببناء بيئة تعليمية وصحية وبنية تحتية شاملة.. وهذا هو العنصر الأساسي للنموذج، والعنصر الآخر هو المواطن المنتمي لوطنه والفاعل والإيجابي. هذه العناصر الممثلة بالقيادة والبيئة والمواطن تشكل المحددات الداخلية، ولا تكتمل عملية البناء والنموذج إلا بتوافر منظومة من القيم والثقافة السياسية، التي توفر الحماية والمظلة لنجاح النموذج.

هذه المنظومة لا تلغي الماضي وتراثه وأصالته بل تضيف عليه مواكبة منظومة القيم الإنسانية والانفتاح على الحضارات والنماذج الأخرى بالتواصل والتفاعل الإيجابي، ولعل من أهم هذه الصور «وثيقة الأخوة الإنسانية المشتركة» التي جمعت بين شيخ الأزهر الشريف وبابا الفاتيكان، والبناء الإبراهيمي ورؤية السلام التي تتبناها الدولة.

إن الدور الإنساني الذي تقدمه دولة الإمارات وما تقدمه من مساعدات إنسانية في كل دول العالم دونما تمييز. هو عنصر مميز في النموذج الإماراتي الفريد. فعند الحديث عن دولة الإمارات يقفز أولاً هذا النموذج بكل مؤشراته وتكويناته ليتحول إلى نموذج لكل دول العالم وخصوصاً دولنا العربية. العنصر الآخر المهم في بناء هذا النموذج هو الرؤية المستقبلية لدور الدولة ومكانتها ومواكبتها للتطورات التكنولوجية، فهي تسابق الزمن لتعيش وتتواصل مع الثورة المستقبلية المتسارعة لتجد نفسها في قلبها، كما نجد من صور ثورة الذكاء الاصطناعي وثورة المعلومات وثورة الفضاء.

ولعل معرض «إكسبو2020» يلخص هذا النموذج الإماراتي الذي جمع العالم كله في إمارة دبي ويترجم الكونية العالمية، ويعكس رؤية وفكر قيادة رشيدة جسدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي -رعاه الله-. وقد اعترف العالم بنجاح هذا النموذج وعلامات النجاح تعلن عنها المؤشرات العالمية التي تضع الدولة دائماً في مقدمة الدول. وفي السياق ذاته نجاح الدولة في احتواء وباء كورونا والعودة للحياة الطبيعية، هو إنجاز عجزت عن تحقيقه الدول الكبرى. ولعل من أهم عناصر نجاح هذا النموذج عنصر التوالد الذاتي للبناء الذي تحول إلى عملية تراكمية متجددة بفعل التفاعل بين القيادة وشعبها.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"