فرنسا واتفاقية «أوكوس»

01:15 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

تلقت فرنسا – مؤخراً- ضربة موجعة، وصفها وزير خارجيتها بالطعنة في الظهر، من طرف أبرز حلفائها الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا، وذلك بعد إقدام أستراليا على إلغاء صفقة شراء غواصات فرنسية تقليدية واستبدالها بغواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية؛ ومن ثم فإنه وإضافة لهذه الخسارة التجارية التي تقدر بملايين الدولارات، فإن فرنسا تعرّضت في اللحظة نفسها لخسارة جيوسياسية كبرى بإقصائها من اتفاقية «أوكوس» التي جرى توقيعها بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا من أجل توطيد الشراكة الأمنية والعسكرية بين هذه الدول الثلاث في المحيط الهادي، على الرغم من أن فرنسا معنية بشكل مباشر بمثل هذه الترتيبات الأمنية بحكم امتدادها الجغرافي في جزيرة كاليدونيا الجديدة، وقد دفع هذا الإقصاء الخبير الفرنسي بول موريس إلى القول إن اتفاقية «أوكوس» لا تخدم المصالح الفرنسية على المدى البعيد.

ومن الواضح أن توقيع فرنسا، كما يضيف موريس، لصفقة بيع الغواصات لأستراليا سنة 2016 اكتسب في حينه أهمية كبرى، لأنه جعل من باريس قوة كبرى في مجال الصناعات العسكرية ومكّنها من أن تكون فاعلاً قوياً في المحيط الهادي، ومنح للرئيس الفرنسي أوراق تفاوض مهمة في علاقاته مع دول منافسة لبلاده إقليمياً ودولياً مثل المملكة المتحدة، وبالتالي فإن تداعيات ما حدث من تطورات في المحيط الهادي ستكون خطيرة، حيث إنه وعلاوة على فقدان الثقة بين الشركاء الرئيسيين في حلف الناتو، فإن نتائج اتفاقية «أوكوس» تعتبر جد سلبية بالنسبة لفرنسا وأوروبا وتحديداً بالنسبة للحلف الفرنسي -الألماني، ويمكنها أن تقود نحو إعادة توجيه الأهداف الاستراتيجية لشركاء الناتو من الدول الأوروبية لإقحامهم في المواجهة الدائرة بين واشنطن وبكين. وقد يؤدي – أيضاً- غياب فرنسا عن اتفاقية «أوكوس» إلى جعلها عاجزة عن إقناع شركائها الأوروبيين من أجل التأثير في توجيه سياسات الناتو، وذلك في وقت ما زال مشروع تأسيس القوة الأوروبية المشتركة يواجه العديد من التحفظات من قبل أمريكا ودول وسط وشرق أوروبا، كما سيفضي كل ذلك إلى تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى قوة تابعة وغير مؤثرة على مستوى العلاقات الدولية.

وعليه فإن تراجع التنسيق الاستراتيجي بين باريس ولندن بعد الدور السلبي الذي لعبته هذه الأخيرة في إلغاء صفقة الغواصات الفرنسية لأستراليا، والذي وصف من طرف جهات فرنسية بأنه انتهازي، يجعل فرنسا تلجأ إلى المراهنة بشكل كلي على علاقاتها مع ألمانيا على الرغم من عدم وضوح الاستراتيجية الألمانية بشأن سياساتها الدفاعية في مرحلة تشهد فيها برلين وضعاً سياسياً متقلباً بعد مغادرة ميركل للحكم ومجيء نخبة سياسية غير متجانسة ولا تُعرف حتى الآن نواياها الحقيقية أو خططها بشأن مستقبل التحالف الألماني- الفرنسي، لاسيما وأن هناك رغبة واضحة لدى السياسيين الألمان من أجل الدفاع أولاً وقبل كل شيء عن مصالح بلادهم، وعدم الانجرار خلف باريس في خصومتها مع بريطانيا والولايات المتحدة.

ويذهب الخبراء الفرنسيون إلى الاستنتاج بأن دور بريطانيا في إبرام اتفاقية «أوكوس» كان محورياً، لأنها باتت تقود سياسة خارجية جديدة قائمة على منافسة الدول الأوروبية فيما يتعلق باتخاذ القرارات الدولية الحاسمة، وبخاصة بعد إتمامها لإجراءات البريكست؛ ويمكن بالتالي اعتبار اتفاقية «أوكوس» بمثابة نصر لبوريس جونسون في سياق سعيه إلى إعادة صياغة علاقات بريطانيا الخارجية بعيداً عن وصاية الاتحاد الأوروبي.

ويأتي هذا الإخفاق التجاري والسياسي الفرنسي في مرحلة تعرف فيها العلاقات التاريخية بين فرنسا وإفريقيا، أزمات عميقة على خلفية تصاعد التوتر بينها والجزائر ومالي وجمهورية إفريقيا الوسطى بسبب فشلها في تحقيق المصالحة مع ذاكرتها الاستعمارية، من جهة، ونتيجة لدخول لاعبين جدد على ساحة المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية في إفريقيا وفي مقدمتهم روسيا والصين، من جهة أخرى. ونستطيع أن نخلص إلى أنه وعلى الرغم من محاولات التهدئة وجبر الخواطر بين باريس وكل من واشنطن ولندن، إلا أن إخفاقات فرنسا الأخيرة أثرت بشكل لافت في نفوذها في العالم.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"