عادي

«كوب 26».. وعود تنتظر التنفيذ

22:34 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب - المحرر السياسي:
عندما يقول جون كيري مفوض إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لشؤون البيئة، إنه لا يزال على العالم أن يبذل الكثير من الجهود من أجل حماية كوكب الأرض من تغيرات المناخ الكارثية، تصبح كل الأرقام التي وردت حول التزامات دول العالم بمناسبة انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة «كوب 26» الذي انعقد في مدينة جلاسكو البريطانية، باهتة ومثيرة للشكوك حول فاعلية المبادرات أو القرارات التي تصدر، سواء أثناء انعقاد جلسات أعمال المؤتمر، أو نتيجة لتلك الأعمال.

يمكن وصف «كوب 26» بأنه مؤتمر استشعار الخطر البيئي فعلياً على الصعيد العالمي. فعندما يعلن ائتلاف موسع يضم بنوكاً وشركات تأمين ومستثمرين يتحكمون معاً في 130 تريليون دولار، من الأموال المدارة والتشغيلية، بوضع تغيرات المناخ في صلب خططهم المستقبلية والاستثمار في الاقتصاد الأخضر على أساس ثابت، فهذا يعني أول ما يعنيه ارتفاع مستويات الوعي والاهتمام بقضايا البيئة، وإن كان لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن نتائج عملية لمثل هذه التعهدات، وما أكثرها.

من جانب آخر، هناك من يعتقد بأنه عندما تعمّ التظاهرات شوارع أكثر من 200 مدينة كبرى في يوم واحد، موزعة على قارات العالم كلها تزامناً مع أعمال المؤتمر، فضلاً عن الحشود الكبيرة التي شهدتها جلاسكو نفسها منذ بدء أعمال المؤتمر، فلا بد أن يكون رد القوى المنوط بها صنع القرار على المسرح العملياتي سواء كانت شركات أو بنوكاً أو مؤسسات نقل، متناسباً مع تلك الصورة، ويخرج في شكل وعود وتعهدات ومبادرات لامتصاص زخم هذا المد الجماهيري العالمي.

وعلى صعيد حكومات الدول، تتسابق الوفود في جلاسكو في الإعلان عن مبادرات على المستوى الوطني في كل دولة، حيث تجاوز عددها 194 تعهداً، والتي كان آخرها تعهد الهند خامس أكبر الملوثين، بتحقيق الحياد الكربوني عام 2070، أي متأخرة عن منافستها الصين المصنفة ثانياً بعد الولايات المتحدة، عشر سنوات. مع ذلك كان الإعلان مدوياً ومصدر سعادة بهذه المناسبة.

وعود.. وعود

لكن كيفية الوفاء بهذه التعهدات شيء، وإطلاقها شيء آخر. فدول العالم النامي ستكون عاجزة عن الالتزام بوعودها بسبب نقص التمويل. أما الكبار فمشكلاتهم أعقد لكونها تنطوي على توازنات سياسية داخلية، وتوازنات خارجية. صحيح أن مبعوث الأمم المتحدة للمناخ، مارك كارني، الذي ترأس ائتلاف جلاسكو المالي من أجل خفض صافي الانبعاثات للصفر، توقع جمع 100 تريليون دولار على مدى العقود الثلاثة المقبلة، وقال إن قطاع التمويل يجب أن يجد طرقاً لجمع أموال خاصة للوصول بالجهود لما هو أبعد بكثير مما يمكن للدول وحدها فعله، إلا أن تجاوب الدول مع مبادرات الأمم المتحدة هو لب المشكلة. ألم تفشل تلك الدول في جمع 100 مليار دولار تعهدت بها في مؤتمر باريس ولم تجمع سوى 20 مليوناً فقط؟

وتكاد مشكلة التمويل لا تغيب عن أذهان كل الأطراف لأن عملية توفير الاستثمارات في إنتاج الطاقة النظيفة لا تزال خجولة تعكس الرهانات المحبطة حول عائداتها، وسط تضارب التشريعات واختلافها من دولة لأخرى من جهة، وغياب برنامج محدد المعايير والخطوات يحدد مسؤولية كل طرف وحجم المبالغ المطلوبة منه.

إلا أن هناك ما يبعث على الأمل في عمليات التمويل نفسها. فقد توقع وزير الخارجية الألماني لشؤون البيئة، يوجن فلاسبارث، أن تفي الدول المتقدمة بسلسلة من المساعدات العاجلة تقدر بنحو 100 مليار دولار لمصلحة قضايا المناخ بحلول عام 2023.

وتتعدد طبيعة المبادرات التي أعلن عنها المشاركون في «كوب 26»، ولا تقتصر على التمويل فقط. فهناك تعهدات بحماية غابات الكوكب من الاستئصال وزيادة مشاريع ترميم الغابات وتوسيع مساحاتها.

وكانت أكثر من 12 دولة من بينها الولايات المتحدة تعهدت أثناء المؤتمر، بتكثيف حماية مياهها الإقليمية، وسط تحذيرات من التدمير المستمر للمحيطات. وأعلن جون كيري أن الولايات المتحدة ستصبح الدولة رقم 15 التي توقع على التعهد الخاص بالمحيطات الذي صادقت عليه الدول الأخرى المعتمدة على المحيطات، ومنها إندونيسيا واليابان وكينيا وتشيلي والنرويج.

خفض انبعاث الغازات

وكان التركيز على مبادرات الحد من نفث غاز الميتان واضحاً منذ بداية أعمال المؤتمر، حيث تعهدت نحو مئة دولة بخفض انبعاثات غاز الميثان بنسبة 30% بحلول عام 2030 عما كانت عليه عام 2020. لكن التقرير المرجعي السنوي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يفيد بأن خفض انبعاث الغازات بنسبة 30% لا يكفي للحفاظ على عتبة الارتفاع في درجة حرارة الأرض دون 2% ولا بد من خفضها إلى 45% بحلول عام 2030.

من جانبه، أكد مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، أن الدراسات التي أعدتها الوكالة تشير إلى أن الالتزام بكل الوعود التي أعلن عنها خلال مؤتمر «كوب 26» قد يؤدي إلى حصر ارتفاع درجات الحرارة ب1.8 مئوية. وشدد على أن المهمّ هو أن تحوّل الحكومات وعودها إلى سياسات واستراتيجيات واضحة وموثوقة.

لكن على غرار الاجتماعات السابقة، من غير المرجح أن يسفر «كوب 26» عن أي التزام ثابت محدد بمعايير قابلة للقياس، مثل المقاييس اللازمة للحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية في متناول اليد. لكن المؤتمر يمكن أن يساعد في تسريع الأمور في الاتجاه الصحيح. فتوفير الزخم الكافي للتخلص من وقود الفحم من شأنه أن يقنع المستثمرين بأن الوقت قد حان للبحث عن مصادر للطاقة المتجددة تدعم برامج الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما أن الالتزام بإنهاء إزالة الغابات من شأنه أن يضغط على الشركات التي تعتمد على قطع الأشجار غير القانوني. وحتى مجرد تكرار هدف 1.5 درجة مئوية مع أي مسار ذي مصداقية للوصول إلى هناك من شأنه أن يشير إلى أن الحكومات سوف تلتزم بجدية أكبر، وتضع خططاً للوصول إلى الأهداف التي تعهدت بتحقيقها. صحيح أنه لا شيء من هذا كله مضمون مئة في المئة، ولكن المعطيات تقول إنه سيكون من الصعب تجاهل «كوب 26»، وما بعده، على أجندات زعماء العالم في المستقبل القريب، أو البعيد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"