التعامل مستقبلاً مع عالم يتغير

00:42 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاطف الغمري

النظرة للمستقبل ليست ظاهرة جديدة، هناك مدارس تخصصت في الدراسات المستقبلية، التي تتجاوز نظرتها حدود الواقع الراهن، لتتبصر ما هو قادم، سواء كان محتملاً، أو حتى مستبعداً من منظور الظروف الدولية القائمة، ومن أجل أن تضع لنفسها، تصورات لسياسات مستقبلية تكون جاهزة للتعامل مع أي وضع طارئ تكون هي مقبلة عليه، وحتى لا تفاجأ بما لم تجهز نفسها له.

وتكمن مخاطر الإعداد للمستقبل وتطوير أدائه، ليلاحق الأفكار الجديدة، في الابتكار في ميادين العلوم، وحياة البشر، ومتابعة ظهور مخاطر لم تكن متوقعة، وإن كانت ملامحها قد بدأت تتجسد، مثل تداعيات أزمة المناخ، وحيث تجدد السؤال عن المستقبل، ليطرح أمام المختصين والدارسين سبلاً مستجدة عليهم أن يسلكوها والخوض في تفصيلاتها.

هذا الموضوع ربما يكون قد انحصر التفكير فيه سابقاً في جانب الفكر السياسي، وصناعة الاستراتيجية، منذ تغيير مسببات الصراع العالمي بين الولايات المتحدة وروسيا، وانتقال خطوط المواجهة ناحية الصين، ودخوله ميادين صراعات جديدة لا ينفرد فيها خبراء السياسة بإدارتها، بل احتاج الأمر خبرات وأفكار آخرين في علوم الاقتصاد، والتكنولوجيا، وحروب الفضاء، وعلوم الاجتماع، وعلم النفس.

فالواقع الراهن يشهد اقتحام الدولة بتحديات من داخلها متجاوزة خط المواجهة الذي كانت حدود الدولة مجهزة عنده لمن يحاول اقتحامه.

وكان التحول في النظام الدولي قد دخل منذ منتصف عام 1989، مرحلة جديدة سيطرت على الفكر السياسي والاستراتيجي في العالم، وقتها أطلق الرئيس جورج بوش الأب، مسمى النظام الدولي الجديد، وذلك في خطابه أمام الكونجرس في سبتمبر/ أيلول 1990، عقب سقوط حائط برلين في ديسمبر 1989. وكان ذلك بمثابة وضع خط فاصل بين النظام القديم، ونظام جديد سعى البعض لإعطائه ملامح دائمة ومستقرة استناداً إلى المرحلة التي تلته مباشرة بانفراد أمريكا بوضع القوة العظمى الوحيدة في العالم. وهو وضع لم تقدر له الاستمرارية كما كانوا يتصورون.

وطبقاً لما ذكره المفكر والكاتب الفرنسي إليان دوبيوس، فإن هذا التوجه كان يعنى في نظر الغرب إيجاد أوضاع تهدف إلى خدمة مصالحه أولاً. وإن أفضل شيء للمستقبل هو أن تبقى أمريكا هي القوة المسيطرة سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً وثقافياً. لكن هذا المفهوم اصطدم بالعنصر القانوني الذي أقره القانون الدولي، والأمم المتحدة، والقائل بأن النظام الدولي يكون نتاج توافق بين الشعوب والقوى الدولية التي تمثلها، والذي يوازن بين مصالحها جميعاً.

في نفس الوقت وفى إطار الواقع، فإن هذا المفهوم اصطدم ببروز قدرات فائقة لدول أخرى في التنمية الاقتصادية، أكسبها مقومات النفوذ إقليمياً ودولياً، مما أحدث لدى شعوبها تراجعاً في نظرتها لوضع أمريكا كمركز للإلهام في العالم، في مواجهة اكتساب هذه الشعوب خصيصة وطنية لإلهامها.

لم يكن يغيب عن ذلك تأثيرات ثورة المعلومات التي تدافعت موجاتها منذ أول التسعينات لتزيح ليس فقط الخط الفاصل بين الحدود الخارجية للدول وبعضها، بل ما حدث من اقتحام ساحتها الداخلية، لتجعل المواطن في الدولة، وكأنه يطل من نافذة بيته على ما يجرى داخل الدول الأخرى. وكان لذلك تأثيره في كونه يستنبط من حياة الآخرين أفكارا وسلوكيات وتقاليد ليست من بيئته.

بعضها يصعب السيطرة عليه، لأنه يزرع في البيئة المحلية، وخاصة بين النشء الجديد، أفكاراً ومفاهيم وافدة، بعضها مضاد للتقاليد، وبعضها ناقل لسلوكيات ليست من خصائص الهوية الوطنية للدولة.

هذه المعاني تدخل في صميم مفهوم الأمن القومي، وحيث اتفق خبراء الاستراتيجيات في الغرب على أنه يصعب على أي دولة ضمان حماية أمنها القومي، في غياب تمتعها برؤية مستقبلية شاملة ومتعددة الأبعاد، في نفس الوقت الذي تضع في حساباتها الهوية الوطنية للدولة، وقيمها الثابتة، والتي تستوعب أي متغيرات داخلها ومن حولها لتضفي قدراً من المرونة على استراتيجيتها، وتوفير كافة أدوات درء المخاطر الناتجة عن التحديات المستقبلية. وكل ذلك يتم بناؤه على موازين بالغة الدقة من التوقع بما يمكن أن يحدث، بناء على مؤشرات، حتى ولو لم تكن مؤكدة بشكل قاطع.

وهناك دول أدركت أهمية قراءة المستقبل، فأسست مراكز تخصصت في تقييم أي مؤشرات عن أحداث يمكن أن تقع مستقبلاً، ثم وضع نتائج دراساتها أمام الجهات المختصة بصناعة القرار السياسي لكي تعد نفسها للتعامل معها بخطط مجهزة.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"