طيف «داعش» في السياسة الدولية

00:39 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

تواصل الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود اعتداءاتها على سيادة الدول وتحديها للقانون الدولي، وتقترف أبشع الجرائم في حق الأبرياء المسالمين دون شفقة ولا رحمة من خلال قيامها بممارسة عمليات قتل وتعذيب تذكِّرنا بالأساليب الهمجية التي كانت سائدة في القرون الوسطى؛ إذ إنه وعلى الرغم من إعلان الرئيس السابق دونالد ترامب، القضاء النهائي على تنظيم «داعش» بعد تحرير القوات المشتركة العربية والكردية المدعومة من واشنطن لآخر معاقل «داعش» في سوريا بتاريخ 22 مارس / آذار سنة 2019، إلا أن هذا التنظيم الإرهابي المتحالف أيديولوجياً وعقائدياً مع باقي التنظيمات الإرهابية الأخرى، مازال يمثل تهديداً استراتيجياً بالنسبة للأمن العالمي بالشكل الذي يجعل الخبراء في مجال الأمن يؤكدون أن طيف «داعش» سيظل حاضراً ومؤثراً في السياسة الدولية وفي العديد من مناطق التوتر والصراع خلال السنوات المقبلة.

ويذهب بعض المختصين في قضايا التنظيمات الإرهابية إلى أن «داعش» ومعه كل المجموعات المسلحة التي تتبنى الفكر التكفيري وتسعى إلى تغيير الأنظمة بالقوة، تشكل فخاً يحمل طابعاً استراتيجياً، لأن قدرة مثل هذه التنظيمات على إعادة تشكيل نفسها وعلى تجنيد العديد من «الذئاب المنفردة» والعودة إلى العمل الجماعي المسلح تظل قائمة، لاسيما في المناطق التي تتراخى فيها قبضة الأجهزة الأمنية وتتراجع فيها أيضاً قدرة الدول على بسط سيادتها على كل أقاليمها كما يحدث الآن بالنسبة للدول الفاشلة؛ ولعل السبب الرئيسي للعودة المستمرة لهذه التنظيمات إلى واجهة الأحداث في العالم يعود إلى الحضور المستمر واللافت لفكرها ولمرجعياتها الأيديولوجية التي مازال الإسلام السياسي يمثل أبرز منابرها.

وبالتالي فإنه من الخطأ الاعتقاد بأن وجود التنظيمات الإرهابية يرتبط بشكل مباشر بقدرتها على السيطرة على مناطق جغرافية في دول فاشلة، فقد أبانت الجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة و«داعش» عن قدرة كبيرة على تطوير أشكال جديدة لممارسة العنف دون الحاجة للتحصّن في أقاليم محدّدة وقابلة للاستهداف من طرف التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب؛ وبخاصة أن العناصر المتطرّفة تتواصل فيما بينها من خلال الإبحار عبر وسائل التواصل الافتراضي التي تمنحها منصات جد متطورة من أجل الإفلات من رقابة الأجهزة الأمنية.

ويبدي طيف «داعش» في المرحلة الراهنة، قدرة كبيرة على تشتيت أنظار المجتمع الدولي من خلال اعتماده على تكتيكات متعددة، فهو يستهدف في أوروبا أمن الأشخاص، ويعمل بموازاة ذلك على توسيع دائرة تواجده في أماكن متباعدة، من منطقة الساحل في إفريقيا مروراً بالشرق الأوسط وصولاً إلى وسط وشرق آسيا، مهدداً استقرار العديد من الدول؛ والأخطر في كل ذلك هو أن اختراق التنظيمات الإرهابية والتلاعب بأنشطتها من طرف القوى الكبرى، أصبح عنصراً محورياً في معادلة صراع القوة بين الدول الكبرى، التي لا يستطيع بعضها المحافظة على تواجده الاستراتيجي في العديد من المناطق دون توظيف ملف مكافحة الإرهاب.

لذلك فإن الكثير من المراقبين يطرحون تساؤلات جدية بشأن غياب منظور أو رؤية سياسية واضحة المعالم، يمكنها أن تدعم الجهود العسكرية الهادفة إلى محاربة «داعش» وكل المجموعات التكفيرية.

ويمكننا أن نزعم في الأخير بأن «داعش» يمكنه أن يغيِّر أو يعدل صورته وأن يُدخل بعض التحسينات على أساليبه في اصطياد وتجنيد أتباعه وفي القضاء على خصومه، لكن طيفه سيظل يُلهم ويوجِّه جماعات الإسلام السياسي الطامحة إلى إعادة إحياء حُلمها في تأسيس دولتها الشمولية على أنقاض الكيانات الوطنية.

ومن ثم فإن المقولة الشهيرة: إن الحرب هي استئناف للسياسة بطرق أخرى، تفقد معناها مع استراتيجية «داعش» وباقي التنظيمات التي تنظر للعالم بأكمله على أنه «دار حرب» ما دام يرفض منطقها القائم على الإقصاء وعلى رفض كل ما له صلة بمبادئ العيش المشترك التي تنص عليها المواثيق الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، والتي تمثل فيها حرية المعتقد والضمير الضامن الأساسي لتجنيب شعوب العالم مخاطر العودة إلى الحروب الدينية.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"