القاهرة: بسيوني الحلواني

في معظم البلاد العربية سحرة ودجالون يخدعون البسطاء ويمارسون تجارة وهمية، إذ يدّعون قدرتهم على كشف الغيب، وعمل وفك السحر، ويكسبون من وراء ذلك الكثير من المال، والأخطر من ذلك أنهم يضيعون فرص العلاج على عشرات الآلاف من المرضى حين يوهمونهم بقدرتهم على علاج أمراضهم العضوية والنفسية بالقرآن.

المؤسف أن ضحايا هؤلاء الدجالين وباعة الأوهام ليسوا من البسطاء فقط، بل يقع كل يوم ضحايا لهؤلاء من المتعلمين والمثقفين.

لذلك، أصبحت مواجهة الأنماط المختلفة من الدجل والشعوذة في عالمنا العربي تحتاج إلى مواجهة شاملة حماية لعقولنا وأجسادنا وأموالنا من خرافات فئة ضالة وجدت ضالتها في مجتمعاتنا ويتخفى معظمهم خلف لافتات دينية كبيرة.

قصص وحكايات الدجل والشعوذة بمجتمعاتنا العربية غريبة وعجيبة وتنتشر معظمها، كما يقول د. عبد الشافي أحمد، الأستاذ بجامعة الأزهر، في الأوساط الأقل وعياً دينياً واجتماعياً، وبين المستويات الأقل تعليماً، ولو وقع بعض المتعلمين ضحية لهؤلاء الدجالين، فالعيب ليس على العلم الذي تعلمه، والثقافة التي خرج بها من تعليمه، ولكن في شخصيته وعقليته اللتين تتقبلان الخرافة وتسيران في طريقها.

ويؤكد أحمد أن بضاعة الدجالين ومدعي العلاج بالقرآن فاسدة، ولا يجوز لأحد أن يتمسح في القرآن، ويدعي أنه كتاب إلاهي لعلاج الأمراض، عضوية كانت أو نفسية، فهو كتاب «هداية وشفاء من أمراض العقول»، لذلك فكل من يدعي أنه يعالج الأمراض المتنوعة به فهو دجال ويخدع الناس.

ويشدد على ضرورة مواجهة هؤلاء الدجالين مواجهة شاملة ومحاصرتهم في المجتمعات والبيئات التي ينتشرون فيها، موضحاً أن المواجهة تبدأ من الجماهير التي يجب أن تتسلح بالوعي الديني والعلمي.

وينصح الجميع بالبحث عن علاج لأمراضهم العضوية والنفسية لدى الأطباء المتخصصين، وليس لدى الدجالين، ويقول: الإسلام دين علم وفكر وتعقل وتدبر، ويربط الأسباب بالمسببات، ولذلك يوجه الناس جميعاً إلى إعمال عقولهم في مشكلاتهم بحثاً عن حلول حقيقية وليس أوهام لتخدير العقول وصرفها عن العلاج المناسب للمشكلات والأزمات.

العاطفة الدينية

عن أسباب إقبال البسطاء على الدجالين، يقول د. محمد نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر: الخرافة تنتشر أكثر في الأوساط التي لم تنل حظاً وافراً من التعليم والثقافة، وهذا ليس خاصاً بنا كعرب، بل ظاهرة شائعة في حياة كل الأمم.

ولأن الشعوب الإسلامية، خاصة العربية، مرتبطة بدينها فهي تثق في كل ما يلتصق بالدين، واستغل ضعاف النفوس وتجار الحرام هذه العاطفة الدينية وتعددت تجاوزاتهم ضد الإسلام، حيث يتاجرون باسمه، ويخدعون البسطاء ويستغلون حاجتهم ويسيئون للقرآن بزعم قدرتهم على علاج كل الأمراض العضوية به وارتكبوا جرائم ضد مرضى كثر خدعوهم ودفعوهم إلى إهمال العلاج على أيدى أطباء متخصصين، وكانت النتيجة كارثية بالنسبة لهم؛ فتضاعفت أمراضهم، ومات بعضهم أو معظمهم نتيجة الجري وراء وهم العلاج بالقرآن.

وارتكبت جرائم جنائية وأخلاقية كثيرة نتيجة هذا الدجل، إذ انتقم بعض المرضى وأسرهم من بعض مدعي العلاج بالقرآن بعد اكتشاف أمرهم، كما سجلت انحرافات أخلاقية من هؤلاء الدجالين ضد نساء ذهبن إليهم.

ويتفق د. السمالوطي مع د. عبدالشافي أحمد في أن السبب الرئيس في شيوع هذه الأنماط من الدجل والشعوذة هو ضعف الوعي الديني والثقافي، لذلك يطالب علماء الاسلام في كل مكان بأن يقاوموا هذه الخرافات، وأن يحصنوا الجماهير ضدها، وتشديد العقوبات ضد مرتكبي جريمة النصب والاحتيال باسم العلاج بالقرآن.

تفسيرات سطحية

د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يحذر من التهاون مع هذه الخرافات التي تخرب العقول وتهدر الأموال فيما لا طائل من ورائه، ويقول: لا تنخدعوا بما يردده هؤلاء من نصوص دينية لا يفهمون معانيها الحقيقية ولا مقاصدها الشرعية، بسبب سطحيتهم وعدم إلمامهم بالعلوم الشرعية، فمعظمهم لم يتلق تعليماً، ولو تعلم هؤلاء تعليماً صحيحاً دينياً أو غير ديني ما امتهنوا هذه المهنة وما تاجروا بهموم ومشكلات الناس وأمراضهم.

ويضيف: هؤلاء الذين يتمسحون بالقرآن من المعالجين بالقرآن «دجالون» ويجب كف أذاهم عن الناس، فالقرآن الكريم دستور شامل لتنظيم حياة الناس، وقيادتهم إلى حياة علمية وواقعية بعيداً عن كل صور الدجل والشعوذة التي يمارسها مدعون وتجار محترفون.

وعن استشهاد أدعياء العلاج بالقرآن بقول الله تعالى: «وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا» يقول: كل المفسرين أكدوا أن المقصود هنا أن القرآن نور وضياء للعالمين يهدي الناس إلى صراط الله المستقيم، فهو دستور حياتهم، وعليهم العمل بأوامره واجتناب نواهيه، ولم يقل واحد منهم إن القرآن وسيلة للعلاج من الأمراض العضوية، وبعض الذين أكدوا صلاحيته لعلاج الأمراض النفسية أكدوا أن ما يحتويه هذا الكتاب الإلهي من هدايات عقلية ونفسية تنعكس على الحالة البدنية للإنسان باعتبار أن بعض الأمراض العضوية لها أسباب ومقدمات نفسية، لكنهم أكدوا على عدم جواز اتخاذه وسيلة للعلاج، وجعل بعض آياته أحجبة وتمائم.

الأمراض العضوية لابد أن تعالج عند الأطباء وبالأدوية الفعالة التي قدرها الله على أيدي خبراء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وجهنا إلى ذلك وقال: «تداووا عباد الله فإن الله لم يخلق داء إلا وخلق له دواء».

وعن لجوء البعض للرقية الشرعية كوسيلة للعلاج يقول د. هاشم: لا بأس في ذلك، فقد أقرها النبي صلوات الله وسلامه عليه، لكن لا ينبغي الاعتماد عليها وحدها وسيلة علاج، فمن يعاني مرضاً عضوياً فعليه أن يذهب للأطباء لعلاج مرضه ولا بأس أن يستخدم الرقية الشرعية بنية الشفاء حتى لا يفوت على نفسه فرصة علاج، ولكن عليه أن يختار شخصاً صادقاً أميناً لعمل الرقية، وليس واحداً من محترفي الاتجار بمعاناة الناس.

ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أنه لا يجوز شرعاً اتخاذ شيء من القرآن الكريم وجعله حرزاً أو حجاباً يعلق على الصدور أو الرؤوس، لأن ذلك يؤدي إلى امتهان القرآن الكريم وعدم صونه من العبث، ومن الأماكن التي لا يجوز أن يكون فيها.. لكن لو وضعت سيدة آية قرآنية في رقبتها كما تفعل كثير من النساء على سبيل التبرك فلا بأس من ذلك بشرط أن تخلعها عند دخولها الخلاء.

ويجوز دفع أجر لمن قام بالرقية الشرعية، فقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أجر لرقية بفاتحة الكتاب.

آثمون ومعدومو الضمير

د. حسن الصغير، الأمين العام لهيئة كبار العلماء في الأزهر وأستاذ الشريعة الإسلامية، يحذر من التهاون مع محترفي الدجل وأدعياء العلاج بالقرآن في مجتمعاتنا العربية، ويقول: الإسلام بتعاليمه وآدابه وتوجيهاته دين يحترم العقل والعلم، ويرفض الخرافة والجهل، ولذلك فإن كل سلوك لا يقبله العقل السليم، ويرفضه العلم فهو مرفوض في ميزان شريعتنا الإسلامية، ولا عذر لمن يرتكب هذا السلوك، خاصة ونحن نعيش عصر العلم، وعلماء الإسلام ودعاته منتشرون في كل مكان.

ويضيف: لا شك أن كل من يمارس هذا الدجل ويستغل بساطة الناس ويخدعهم بدجله وادعاءاته ومزاعمه الكاذبة ويتكسب من وراء ذلك، آثم شرعاً ويجب عقابه، كما ينبغي على الأجهزة المسؤولة عن أمن المجتمع وسلامته الفكرية والصحية والأمنية أن تواجه هؤلاء باعتبارهم يمارسون النصب والاحتيال على خلق الله.

ويعبّر عن أسفه لانتشار هذه الخرافات والأوهام في بعض أقطار عالمينا العربي والإسلامي، ويقول: يقف خلف ذلك معدومو الضمير الذين يستغلون طيبة عامة الناس، وحاجتهم إلى العلاج أو حل مشكلاتهم، ويستنزفون أموالهم، ويأكلون الحرام، ولذلك تصبح المواجهة المجتمعية واجبة لأن ترك هذه الخرافات تنتشر في المجتمع يخرب عقول الناس، ويهدر وقتهم وجهدهم ومالهم في ما لا يفيد، وبالتالي يعطل جهود التنمية ويحول دون تقدم المجتمعات.