قصيدة النيل

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

على مقربة من «الكرنك، والأقصر» والتاريخ الراسخ فيهما، تحلق طيور مغردة تتوقف لغنائها الشوارع المكتظة بالمتأملين، والساهرين على آثار تتحدث بلسان جنوبي فصيح يقول للعالم: هنا تاريخ ساحر تهوي إليه أفئدة كثيرة، وتطير إليه أحلام كبيرة، أحلام الشعراء أبناء الغيم الماطر والعزف الآسر، فتجد الشعر قد سبقها وهو ينشد مواويله على مسارحها وحول آثارها وفي قلوب ناسها.

في الدورة السادسة لمهرجان الأقصر للشعر العربي، تجد الذائقة مبتغاها، فالشعر كثير، والإبداع وفير، يجتمع رائد الكلام بموهبة شاب مقدام، يلتقي ماء القصيدة بضوء النقد، تدور الأحاديث حول الكراسي المحتفية بالنيل وموسيقاه، والليل وأضواء ديوان العرب، فالشعر يتحدث والماء يعزف، والليل يسامر عشاق القصيدة، والنجوم تحتفل وترقص، تشرب الظلمة شاي المعنى وقهوة المغنى فتتزين بنور ينعكس على الماء فيرسم لوحة الخلود، كل هذا في الأقصر حيث القصيدة العربية راسخة رسوخ الأهرامات، شامخة شموخ الآثار، باقية في جريانها بقاء النيل، لا تخشى رياح الهدم، تتعاطى مع الجديد الذي يقدر الأسلاف ويحتفي بالآباء، ويحافظ على الهوية والتاريخ.

ستة مواسم هي عمر مهرجان الأقصر للشعر العربي، وها هو يجمّل القصيدة كشراع، ويمضي بغير كلل، فالجمال الحقيقي في حميمية اللقاءات المباغتة، والبحث عن أوجه شعرية في أربعة أيام توثق للشعر وطوفانه في القلوب، فالأصبوحات الشعرية تقرب المسافة بين الشاعر والجمهور، والمقاعد الممتلئة تحمل بطاقة عبور للغد، أما الأمسيات الشعرية والجلسات النقدية والمناقشات الثرية فهي لوحات في فضاء الأقصر، تغني للشعر وتستدعي عبق التاريخ ورائحة الفراعنة والشعراء القدامى بنقوشهم الجميلة، وكأن الأمس الشعري يتجلى في أصوات شعراء اليوم، ما يجعل الكلمات في هذا المكان تلقي إيقاعاً قادراً على دغدغة العقول.

الأقصر قصيدة النيل ومعزوفة الشعراء، تضيء شمعة أخرى من شموع ميلاد بيتها الذي ولد شاهقاً بمكرمة سامقة من قبل من امتدّ عطاؤه ليعبر بمحبة الثقافة الآفاق، وليصل إلى المبدعين في أوطانهم، ويحقق للحالمين بمنبر الشعر أحلامهم، مكرمة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بمبادرة بيوت الشعر أينعت، وورودها أزهرت في العديد من البيوت التي احتفت بالقصيدة وأصالتها، وهي تقول للمترددين، والمشككين ببقاء أصالة القصيدة: ها هي المسيرة تمضي فالحقوا بالركب المبارك الذي يحتفي بإيقاعات الحروف وعزفها المنسجم مع فضاءات التجديد، باركوا هذا العرس الشعري الذي يطوف أرجاء هذه المدينة، هذا البهاء الذي تلبسه شوارعها يحفز على الخلق، ويدفع الهمم إلى الابتكار، هنا مجمع البحرين «النيل والشعر» وهنا دهشة لا تنتهي، وحديث يطول.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"