حرب المهاجرين الصغيرة

00:58 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

تعيش دول أوكرانيا وبولندا وبيلاروسيا وضعاً استثنائياً، فهي على تماس حدودي مع معسكري روسيا وحلف شمال الأطلسي المتصارعين على النفوذ والتوسع كل على حساب الآخر. وتقع على هامش هذا الثلاثي المرتبك دول البلطيق الثلاث الصغيرة المساحة والتأثير، التي ظلت على الدوام مسرحاً للعمليات الحربية التي تدور بين القوى العسكرية الكبرى. فهي تعيش على حافة خطرة ووسط مخاوف لا تنتهي من إمكانية نشوب حرب جديدة بشكل مفاجئ أو عن طريق الصدفة كما يقول وزير الدفاع البريطاني.

 وخلال الأسابيع القليلة الماضية ترددت كلمة الحرب كثيراً على لسان قادة عسكريين ومسؤولين سياسيين، بينهم قادة الدول الثلاث وأيضاً من قادة المعسكرات المتصارعة في موسكو وبروكسل ولندن وواشنطن. والقضية التي أثارت حديث الحرب هذه المرة كانت حفنة من المهاجرين تقول تقديرات إن عددهم لا يتجاوز الألفي شخص، بينما تؤكد إحصاءات أخرى أنهم أكثر من سبعة آلاف شخص.

 وسواء كان العدد ألفين أو سبعة آلاف، فإنه ليس بالعدد الضخم الذي يمكن أن يفجر أزمة سياسية هائلة تهدد بالحرب، فموجات المهاجرين السابقة التي كانت تعبر إلى أوروبا في أوج انفجار الأزمة كانت تعد بمئات الآلاف، وعلى الرغم من أنها سببت أنواعاً مختلفة من الارتباكات في علاقات دول الاتحاد الأوروبي التي اندفعت إليها موجات المهاجرين، إلا أنها لم تطلق أي إنذارات بالحرب مثلما يحدث الآن مع هذا العدد الضئيل من المهاجرين الجدد.

 هذه المجموعات الجديدة من المهاجرين تختلف عن الهجرات الأولى في أشياء كثيرة من بينها المستوى الاقتصادي المريح نسبياً بالمقارنة مع أولئك الذي أجبروا على الهروب من مناطقهم إبان اشتداد العمليات الحربية وتفشي وباء «داعش» في سوريا والعراق خصوصاً، كما أن المهاجرين الجدد يتحركون نحو مناطق هجرة جديدة في بلاد حظيت بمستوى من الاستقرار والأمان النسبي. لكن دوافع الهجرات تظل واحدة، وهي البحث عن مناطق أكثر أماناً بعيداً عن تهديدات الحروب الدامية والاستقرار المزعزع والقتل وسفك الدماء.

 هذه المجموعات الصغيرة من المهاجرين كان بالإمكان احتواء أزمتها بهدوء وبمجهودات دبلوماسية وسياسية أقل كلفة بكثير من حالة الهستيريا السياسية التي انطلقت من على الحدود المشتركة بين بولندا وبيلاروسيا، حيث أصبح مصير العائلات المنكوبة لعبة لتصفية الحسابات والابتزاز المتبادل للحصول على تنازلات ومكاسب عبر استخدام لغة الحرب وحشد الجيوش.

 ولأن المحطة الأولى للمهاجرين كانت بيلاروسيا التي فرض عليها الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية، فقد فكرت قيادتها في الانتقام من أوروبا عبر تحويل حدودها مع بولندا إلى بوابة جديدة لإغراق أوروبا بالمهاجرين الجدد. أما بولندا عضو الاتحاد الأوروبي والمهددة رغم ذلك بعقوبات أوروبية بسبب اتهامات بأنها تنتهك التزامها المبادئ الديمقراطية للكتلة، فقد وجدت في قضية المهاجرين ذريعة للالتفاف على مشكلاتها وتحويل الأنظار نحو حرب تتهدد أوروبا بأكملها وتشعل فتيلها روسيا وزعيمها بوتين. وبين المناورات الاحتيالية للحكومتين البولندية والبيلاروسية يعيش تعساء الحظ من المهاجرين الجدد على حد الموت.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"