رسالة طمأنة صينية

01:02 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

تشكل منطقة جنوب شرق آسيا بموقعها الجيوسياسي بؤرة اهتمام بالنسبة للصين والولايات المتحدة، وهي خط أمامي في صراع المصالح بين واشنطن وبكين، إذ يعمل البلدان على كسب ود الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في إطار السعي المتواصل لتوسيع نفوذهما. 

وحاول الرئيس الأمريكي جو بايدن التخلي عن سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب، بالتقرب أكثر من دول الرابطة بإظهار الكثير من النوايا الحسنة تجاهها في محاولة منه لكسب ودها في مواجهة الصين التي تمكنت من تأسيس علاقات سياسية واقتصادية واسعة معها. لكن يبدو أنه رغم وجود دولتين حليفتين مهمتين لواشنطن هما الفلبين وتايلاند إلا أن الإدارة الأمريكية لم تقدم نفسها بشكل مغاير عن إدارة ترامب، وهو ما أشار إليه جيمس كرابتري في مجلة «فورين أفيرز»، حيث وصف السياسة الأمريكية ب«التخبط»، وحذر من خسارة المنطقة لصالح الصين، وقال «بدأ الشعور بخيبة الأمل مع قلة التركيز الأمريكي على المنطقة وعدم وجود أهداف واضحة»، أضاف «كما ستتضرر مصداقية الولايات المتحدة وسيزداد التأثير الصيني».

 من الواضح أن بكين تراقب العلاقات بين دول الآسيان والولايات المتحدة، وترصد وتقرر كيف تتقدم خطوة عن واشنطن في علاقاتها مع الدول المجاورة لها. وقد جاء إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ أمس عن استعداد الصين للتوقيع على بروتوكول معاهدة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في جنوب شرق آسيا (معاهدة بانكوك) في أقرب وقت ممكن، بمثابة رسالة طمأنة للدول المعنية، خصوصاً أنه أكد في كلمته لمناسبة الذكرى الثلاثين لإقامة حوار بين بكين و«آسيان»، بأن بكين «لن تضيّق على جيرانها الأصغر في المنطقة، ولن تسعى أبداً للهيمنة، ولن تستغل حجمها للاستئساد على الدول الأصغر حجماً»، مؤكداً أن الصين ستعمل مع آسيان «للقضاء على التطفل وستدعم الاستقرار والتنمية في المنطقة»، في إشارة واضحة إلى واشنطن التي «تتطفل» على المنطقة رغم بعدها عنها.

 يذكر أن «معاهدة بانكوك» وقعت عام 1995 من أجل أن تكون منطقة جنوب شرق آسيا خالية من الأسلحة النووية، ويعتبر توقيع الصين عليها بمثابة انتصار لدول الرابطة وإبعاد شبح الأسلحة النووية ومخاطرها عن المنطقة. 

 رسالة شي جين بينغ من حيث مضمونها وتوقيتها تعتبر في الوقت نفسه موجهة إلى الولايات المتحدة ومؤداها أن بكين لا تريد الهيمنة على المنطقة، كما تردد واشنطن والآلة الإعلامية الأمريكية، وتتخذ منها ذريعة لتخويف دول الآسيان والدول الأخرى من السياسات الصينية، وإقامة تحالفات عسكرية وسياسية في المنطقة لمواجهة التنين الصيني ومخاطره.

 إنها خطوة صينية ذكية لا شك باتجاه جيرانها الذين وعدتهم ب«السلام والاستقرار والتنمية».. والأمن من مخاطر الأسلحة النووية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"