عادي

الانتخابات الرئاسية الليبية.. سيناريوهات معقدة

23:06 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد فراج أبوالنور

اشتدت أجواء الانتخابات الرئاسية الليبية سخونة، وتصاعد الشد والجذب حولها بدرجة كبيرة حتى قبل أن تنتهي المفوضية العليا للانتخابات من فحص أوراق المرشحين الذين بلغ عددهم 80 مرشحاً بنهاية اليوم الأخير قبل إغلاق باب الترشيح، وسط أجواء ضبابية تكتنف مصير الانتخابات بحد ذاتها.

سياسيون ورجال دولة وضباط وزعماء ميليشيات ورجال أعمال ودبلوماسيون من أكثر الاتجاهات والتيارات تبايناً، لكن أبرزهم بالتأكيد هم المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي، وعقيلة صالح رئيس البرلمان، وسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ود. عبدالحميد الدبيبة رئيس الحكومة الانتقالية الحالية، وفتحي الباشاغا وزير الداخلية السابق وزعيم ميليشيات مصراتة، وهناك أسماء أخرى لشخصيات مهمة بينهم رؤساء حكومات ووزراء سابقون، ونواب وغيرهم. لكن الخمسة الذين ذكرناهم (حفتر، وعقيلة صالح، وسيف الإسلام القذافي، والدبيبة، والباشاغا) يظلون الأكثر أهمية.

وبعد فحص إقرارات الذمة المالية، وسجلات الحالة الجنائية، ومدى انطباق شروط الترشيح، والطعون ضد بعض المرشحين، سيتم إعلان القائمة النهائية للمرشحين، الذين تم قبول أوراقهم الآن «بصورة مبدئية».

سجالات وتهديدات

وبالرغم من الشوط الذي قطعته العملية الانتخابية حتى الآن فإن سجالات سياسية وقانونية حادة، وتحركات سياسية (وعسكرية) لا تزال تحيط بها، وتجعل إجراء الانتخابات أمراً غير مضمون حتى الآن.

فلا تزال جماعة «الإخوان» والميليشيات الإرهابية والمناطقية والقبلية التابعة لها ترفض إجراء الانتخابات والقانونين المنظمين لانتخاب الرئيس والبرلمان، بحجة غياب «القاعدة الدستورية» للانتخابات تارة، وضرورة الاستفتاء على دستور جديد تارة أخرى، والاعتراض على بعض المرشحين (وخاصة حفتر وسيف الإسلام القذافي) تارة ثالثة. ويقود هذه التحركات خالد المشري أحد زعماء الإخوان، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، الذي دعا أنصاره للاعتصام أمام مقار المفوضية العليا للانتخابات وعرقلة عملها، وهو ما حدث بالفعل لعدة أيام في عدد من مدن الغرب، ويهدد هو وأنصاره بمنع إجراء الانتخابات بالقوة، ويدعون الجمهور لمقاطعتها. ومعروف أن الكتلة التصويتية الأكبر للناخبين توجد في غرب البلاد، وإذا نجح «الإخوان» في تنفيذ تهديداتهم فإن الانتخابات يمكن ألا تجرى في المنطقة الغربية، ما يلقي بظلال كثيفة من الشك على شرعيتها، ويكرس واقع الانقسام الموجود الآن فعلياً.

ويطالب زعماء غرب ليبيا ليس بمنع المشير حفتر وسيف الإسلام القذافي من خوض الانتخابات فحسب، بل وبمحاكمتهما كمجرمي حرب.

مشكلة الشهور الثلاثة

عبدالحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الانتقالية، كان من بين الذين يطالبون بتأجيل الانتخابات عن موعدها المقرر في (24 ديسمبر)، ولكن مع الإصرار الدولي على إجرائها في موعدها بدأ في شن حملة عنيفة على إحدى مواد قانون الانتخابات الرئاسية، نعني (المادة 12) التي تقضي بأن أي مسؤول تنفيذي يريد ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية عليه «تجميد» مهام منصبه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر حتى لا يستخدم صلاحيات وتسهيلات المنصب في التأثير في الناخبين. وهو أمر مفهوم تماماً. ويقول الدبيبة إن هذه المادة قد وضعت في القانون لخدمة رجل واحد في إشارة إلى المشير حفتر، الذي «جمد» ممارسته لمنصبه قبل الانتخابات بثلاثة أشهر، وأناب عنه رئيس أركان الجيش الوطني في ممارسة مسؤوليات القيادة.

المفترض أن القاعدة القانونية مجردة، وليست متعلقة بفرد بذاته، ولم يكن هناك ما يمنع الدبيبة من «تجميد» صلاحياته قبل الانتخابات بثلاثة أشهر، لكن المسألة تتعلق إما بأنه لم يتخذ قراره بالترشح إلا مؤخراً، وبعد أن بقي شهر واحدة على الانتخابات.. أو بأنه لم يشأ أن يبتعد عن صلاحيات منصب رئيس الحكومة، بما تتيحه من فرص وإمكانيات لتقديم خدمات لجمهور الناخبين أو فئات منهم، بما يكسبه شعبية تساعده على الانتخابات.

تعهد يجب احترامه

مشكلة أخرى تواجه الدبيبة تتمثل في التعهد الذي قطعه أعضاء ملتقى الحوار الوطني (لجنة 75) على أنفسهم بعدم الترشح في الانتخابات المقبلة، وأن تكون مهمة الحكومة هي الإعداد للانتخابات وإجراؤها، ولما كان الدبيبة أحد الذين قدموا هذا التعهد، ولما كانت الانتخابات تجرى بموجب «خارطة الطريق» فالمفروض أن يلتزم رئيس الحكومة بتعهده.

وحتى الآن لا يوجد ما يشير إلى مخرج للدبيبة من هذين المأزقين (المادة 12- والتعهد بعدم الترشح).. وبفرض إمكان الالتفاف حول مشكلة «التعهد»، فإن تطبيق القانون (المادة 12 منه) يمنع إدراج اسم الدبيبة في قائمة المرشحين النهائيين، وفي هذه الحالة فإن المرجح أن يعود إلى موقفه القديم المطالب بتأجيل الانتخابات وأن ينضم إلى فريق «المعرقلين» ويتمسك بالاستمرار في رئاسة الحكومة. أما إذا تم التغاضي عن (المادة 12) وشرط الشهور الثلاثة، فإن هذا يفتح الباب للطعن في ترشحه، وهذه مشكلة أخرى تمس شرعية الانتخابات

تفتيت الأصوات

وجود عدد كبير من المرشحين وضع يؤدي عموماً إلى تفتيت أصوات الناخبين.. فلكل مرشح جمهوره وأنصاره مهما كان عددهم قليلاً، والمرجح بشدة في هذه الحالة هو عدم إمكانية حسم المعركة من الجولة الأولى، وضرورة إجراء انتخابات إعادة بين الاثنين الحاصلين على أعلى الأصوات.

وهنا تبرز مشكلة معقدة تخص كلاً من المشير حفتر والمستشار عقيلة صالح.. تعني إمكانية تفتيت الأصوات بينهما في الشرق والجنوب والوسط، بفرض إجراء الانتخابات وفشل خطة «الغرب» في تعطيلها.. فالمشير حفتر هو المرشح الأقوى لكن عقيلة صالح لديه قاعدة قبلية في الشرق وتفتيت الأصوات بينهما يضعف كليهما ويمكن أن يؤدي لترجيح كفة سيف الإسلام القذافي، خاصة أن لديه قاعدة لا بأس بها في الجنوب، وبين وجهاء القبائل في الوسط (سرت موطن قبيلة القذاذفة وحلفائها) وحتى في بعض مناطق الغرب.. وهؤلاء قد ضاقوا ذرعاً بالفوضى والاقتتال والفساد والكثير من الظواهر التي انتشرت في السنوات الماضية.

سيناريوهات شديدة التعقيد، من المبكر ترجيح أحدها في المرحلة الحالية، ومعدلات متعددة المجاهيل تحيط بالانتخابات الرئاسية الليبية، والأسابيع المقبلة كفيلة بإيضاح معالمها إذا قدر للانتخابات أن تجرى في موعدها برغم كل هذه التعقيدات والمخاطر.

*كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"