عادي

«سبنسر».. رؤية سوداوية لحياة ديانا

تدور أحداثه حول الأيام الثلاثة الفاصلة في سيرتها
00:39 صباحا
قراءة 5 دقائق
ci

مارلين سلوم

الفتاة الحسناء الخجولة التي كتب لها القدر أن تصبح أميرة كما في أساطير وحكايات الطفولة، لم تكن تعلم أنها ستصبح هي الأسطورة، وأنها ستشغل العالم في حياتها، وبعد رحيلها، وستبقى اللغز الجميل والحزين الذي يبحث المؤلفون عن خفاياه وأسراره ليعرضوا كل مدة بعضاً منه، سواء استقوه من روايات المقربين، أو مما سمعوا، وما نشرته الصحف، تضاف إليه بهارات الخيال، فيصنعوا فيلماً، أو مسلسلاً، أو كتاباً. إنها الأميرة ديانا التي تتنافس كثير من نجمات العالم على تجسيدها على الشاشة، ويأخذ فيلم «سبنسر» الذي يعرض حالياً في الصالات، جانباً من معاناتها ليقدمه بشكل فلسفي درامي خيالي حزين.

يمكن القول إن فيلم «سبنسر» للمخرج بابلو لارين، ليس عملاً عادياً، لا من ناحية الإخراج، ولا الكتابة، فالمؤلف ستيفن نايت، لا يسرد قصة حياة ديانا كما شاهدنا في كل الأعمال السابقة، بل يكتفي بعطلة عيد الميلاد التي قضتها ديانا سبنسر مع أفراد العائلة الملكية البريطانية والتي تعتبر أيامها الأخيرة برفقتهم، قبل انفصالها عن الأمير تشارلز. اعتمد الكاتب على الخيال أكثر من الواقع كي يحمل المشاهد على تخيّل مدى عمق المأساة التي عاشتها هذه الأميرة قبل أن تطلب الانفصال، وتستعيد حريتها، و«توازنها». هو يشدد على هذه النقطة تحديداً، منذ بداية الفيلم وحتى النهاية، ساعة و57 دقيقة تتخبط فيها ديانا في صراع نفسي مرير، وتشتت ذهني يجعلها محط انتقاد الجميع، العائلة والعاملين في القصر، لكن الكاتب نايت يقدم وجهين لكل شيء في الفيلم، فيُريك كيف ينتقد عمال القصر تصرفات ديانا، وخروجها عن التقاليد، وكسر القواعد باستمرار، ثم يكشف عن مدى تعاطفهم معها، خصوصاً أنها الوحيدة في القصر التي تتعامل معهم ببساطة، وتتحدث إليهم باستمرار، وتدخل المطبخ بلا تكلف، وهم شهود على معاناتها النفسية.

حد فاصل

ثلاثة أيام خلال عطلة ميلاد عام 1990 هي الحد الفاصل في حياة الأميرة ديانا. رؤية المخرج لارين تجعل الشخصية ليست محورية فقط، بل لا تغيب لحظة عن الكاميرا، وباقي الشخصيات ثانوية، وبعضها يتلاشى سريعاً. هدف الفيلم جعل الجمهور يلمس عمق الحالة الذهنية لديانا، ومشاعرها، والعلاقة الباردة مع الأسرة الملكية، وزوجها تشارلز، والوصول إلى الذروة عندما تبدأ الأمور بالانهيار والتفكك.

منذ اللحظة الأولى يقدم ستيفن نايت، الأميرة ديانا (كريستن ستيوارت) كشخصية تائهة، تصل متأخرة عن بداية احتفالات الكريسماس. تقود سيارتها بنفسها بلا حرس، ولا مرافقين، وتضيع رغم أنها في المنطقة التي نشأت فيها، وعلى بعد خطوات من قصر العائلة الملكية. وعند وصولها يستقبلها الضابط العسكري السابق جريجوري (تيموثي سبال) الصارم الذي يحرص على تطبيق كل ما تأمر به الملكة، وكل القوانين المعمول بها في القصر، مثل إلزام جميع أفراد العائلة بالجلوس على الميزان لحظة دخول القصر، وهو ما تفعله الملكة أيضاً، إذ يعتبر من التقاليد القديمة التي أطلقها الأمير ألبرت، وبعد انتهاء إجازة الأعياد يزن كل فرد نفسه قبل الخروج من القصر، إذ لا بد أن يكون اكتسب وزناً من «قائمة» المأكولات والمقبّلات والحلويات الشهية التي يقدمها رئيس الطهاة. ديانا تنزعج، لكنها تستسلم أمام إصرار جريجوري، وحزمه. سعيدة بلمّ شملها مع ولديها وليام (جاك نيلين)، وهاري (فريدي سبري)، اللذين حضرا مع والدهما الأمير تشارلز (جاك فارثينج)، بعد أن باتت العلاقة بينهما مستحيلة.

تجد ديانا في غرفتها كتاباً عن آن بولين (إيمي مانسون)، زوجة هنري الثامن التي تم قطع رأسها حتى يتمكن زوجها من الزواج من عشيقته، لا تعلم من وضعه لها، لكنه رمز واضح، وإسقاط للحالة التي تعيشها الأميرة، وربما ما سيحصل لاحقاً، كعلامة لما سيتم فعله بها. شبح آن بولين يرافق ديانا معظم الوقت، تراها في أحلامها، وفي اليقظة أيضاً، وتحاول خلق أجواء مرحة مع ولديها في هذا المكان البارد، وإصرار المؤلف على تكرار إحساس ديانا وولديها بالبرودة الشديدة هنا، ورفض الملكة على جعل المكان دافئاً ربما يكون حقيقياً في الواقع، لكننا نشعر برمزيته أكثر وسط هذه الأجواء القاتمة، وغياب دفء المشاعر والبرودة في التعامل، والقسوة والجفاء. لا تجد ديانا راحتها إلا بحضور ولديها، أو مع مساعدتها الشخصية ماجي (سالي هوكينز)، والتي تعاني كثيراً حين يأمرها جريجوري بالعودة إلى لندن، رغم احتياج ديانا الشديد إليها.

غياب الخصوصية

يركز الفيلم على غياب الخصوصية في حياة ديانا، وحرمانها من كل شيء، حتى اختيار الملابس، فهناك قائمة جاهزة بما يجب أن ترتديه صباحاً، وما ترتديه على الغداء، وفي العشاء.. كما يركز بطبيعة الحال على مرضها النفسي، ثم نهمها في أكل الحلويات ليلاً.

يعتمد المخرج على الرمزية كثيراً، فمشهد قَطع ديانا عقد اللؤلؤ أثناء تناولها العشاء مع الأسرة، وبحضور الملكة، واحتسائها حباّته مع الشوربة، مجرد خيال يدل على شدة غضب الأميرة من هدية زوجها لها، وأن العقد حول رقبتها يخنقها لأنها تعلم بأنه أهدى نسخة ثانية منه لكاميل باركر التي يحبها. ويذكّرنا الفيلم بأناقة ديانا وأزيائها المميزة، بمشاهد سريعة واستعراضية، كما يستعرض لمحات من حياتها بلقطات عابرة.

كثيرات جسّدن دور الأميرة ديانا، لكن أبرزهن نعومي واتس في فيلم «ديانا» 2013، وإيما كورين التي تعتبر الأقرب شكلاً، والأصدق أداء للشخصية في مسلسل «ذا كراون» 2020. وكريستن ستيوارت في «سبنسر»؛ لا ننكر اقترابها من الشخصية، خصوصاً في نظرتها ومشاعرها، لكن نستغرب جداً ما يقال عن احتمال ترشحها لنيل جائزة أفضل ممثلة عن هذا العمل، ففي كثير من المشاهد تبدو حركاتها مبالغاً فيها، كما أن ستيوارت ورؤية المخرج والكتابة السوداوية التي ركزت على حالة الاكتئاب وفكرة الموت والانفصال طوال الوقت أبعدت ديانا، وممثلتها، عن قلوب المشاهدين، كما أن الموسيقى الحزينة المصاحبة طوال الفيلم لكل الحوارات والمشاهد، سواء الداخلية أو الخارجية، والتي ترتفع بشكل مزعج، وقد وضعها خصيصاً للفيلم الملحن جوني جرينوود، تزيدك توتراً، وتصيبك بالاكتئاب أنت أيضاً، وتشعرك برغبة في الانسحاب، أو الاكتفاء بالمشاهَدة الصامتة.

لا بروز لشخصيات سوى ديانا، يليها جريجوري، ومساعدتها ماجي، بينما يتوارى الباقون.. ولا ينطق الأمير تشارلز سوى جملتين.. الملكة لها حضور عابر.. الأميران وليام وهاري يظهران بشكل متقطع لكنهما يشكّلان مع أمهما لوحة الختام التي تحمل الحلم والحرية.

ليست المرة الأولى التي يقدم فيها المخرج لارين شخصية أنثوية بارزة، فقد سبق أن قدم «جاكي» عام 2016 مع ناتالي بورتمان، لكنه في «سبنسر» أكثر غموضاً واعتماداً على الإيحاءات واللوحات والرموز والحالة النفسية، وأكثرَ من سرد الوقائع الحقيقية والتاريخية. ورغم كل الأزمات التي مرت بها الأميرة ديانا، إلا أنها اشتهرت بابتسامتها، وبسحرها، والكاريزما التي استطاعت من خلالها أن تحتل قلوب الملايين من البشر حول العالم، لكن هذه الملامح غائبة كلياً عن فيلم «سبنسر»، ولا نرى سوى الوجه الحزين، والنفس المنكسرة، والشخصية المهزوزة، والمتوترة، والمتهورة. فيلم يريدك أن تتعاطف مع بطلته بينما يقدم لك كل الأسباب لتنفر وتنزعج، وتقف حائراً: هل تقبل الفيلم، أم تسقطه من حساباتك لشدة سوداويته؟
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/46kapp5v