عادي

جبار لقلوب العباد

22:23 مساء
قراءة دقيقتين
رغيد
رغيد جطل

رغيد جطل
عندما نقرأ قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر:23]، ونتفكر في أسماء الله الحسنى الواردة في هذه الآية لعل أول ما تقع أعيننا عليه هو اسم الله (الجبار)، وهنا قد ترتعد فرائصنا، ويقع في قلوبنا خوف شديد ونحن نردد هذا الاسم العظيم (الجبار)؛ لكن هذا الاسم على عظمته يحمل معنى آخر فيه طمأنينة للعبد.

صحيح أن من معاني الجبار أنه عالٍ فوق عباده لا يناله أحد وهو الجبار الذي يفعل ما يريد، ولا يكون شيء في هذا الكون إلا وفق ما يشاء، وصحيح أن من معاني الجبار، أن مشيئته هي النافذة، فما أراد كان وما لم يرد لو اجتمعت البشرية قاطبة على إنفاذه لما استطاعت، لكن هنالك معنى آخر يجعل القلب سعيداً هانئاً لأنه عبد للجبار، جل وعلا، فهو جبار بمعنى يجبر الكسر ويلم الشعث ويرأب الصدع ويقوي الضعيف ويغني الفقير ويعز الذليل فيكون الجبار بهذا المعنى مأخوذاً من جبر بمعنى أصلح وهو صيغة مبالغة أي أنه كثير الجبر لعبده متى ما أتاه العبد معترفاً بضعفه أمام عظمة جبروته فإنه ساعتئذ يجبر كسره ويصلح حاله؛ فها هو يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام عندما التقمه الحوت وبات في ظلمات ثلاث.. ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت في تلك الساعة نادى من يجبر القلوب قائلاً: {لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]، فلم يتأخر الجبار عنه، وجبر ضعفه وأصلح حاله وكذلك كانت الحال مع سيدنا يوسف عليه السلام حينما أُلقي في البئر من قبل إخوته الذين كسروا قلبه بإبعاده عن أبيه، لكن الجبار الجابر لكسر القلوب لم يتركه وتلك الحال في بئر مظلمة؛ بل جبر قلبه وجعله سيداً عظيماً يأتيه إخوته يستجدون عونه بعد أن كانوا يتآمرون عليه.

اسم الله الجبار كثيراً ما يردده الناس البسطاء حينما يشترون كمية كبيرة من البضاعة ويخشون كسادها فتراهم ينادون بصوت عالٍ يا جبار يا جبار على بساطة حالهم، وسبحان الجبار الذي لا يُخيّب ظن عبد به، فيجبر قلوبهم فترى المشترين يأتونهم من كل حدبٍ وصوب، وهنا نقف وكلنا قد يكون صاحب قلب مكسور فهلا نادينا خالقنا بهذا الاسم العظيم، مظهرين ضعفنا وانكسارنا بين يديه وحاجتنا في كل آنٍ وحين إليه، وهلا تمثلنا هذا الاسم واقعاً معيشاً في حياتنا فجبرنا خاطر عامل بسيط بأن أعطيناه دريهمات بسيطة جبراً لخاطره، وهلا شكرنا إنساناً أسدى إلينا معروفاً فاعترفنا بفضله وشكرناه، وهلا قدرنا جهد معلمينا بأن جبرنا خاطر قلوبهم بكلمات شكر وثناء على ما يقدمونه لنا. ما أجمل أن يجبر كل منا الآخر فينظر الله لحالنا فيجبر ضعفنا ويؤلف بين قلوبنا فيحيل شقاءها وبؤسها سعادة وسروراً.
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/27neshzu