هل يقدر قيس سعيّد «عليهم»؟

00:17 صباحا
قراءة 3 دقائق

دأب الرئيس التونسي قيس سعيّد في كل خطاباته على اتهام ضمير «هم» بالوقوف وراء التنكيل بالشعب التونسي وبتخريب مؤسسات الدولة طوال العشرية الماضية؛ بل وبتحقيق مصالح مادية واكتساب نفوذ على حساب الشعب التونسي، والأنكى من ذلك هو إغراق البلد في مديونية غير مسبوقة، فهل يقدر الرئيس التونسي على مواجهتهم؟
 خلال اتصاله بوزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن، قال بيان الرئاسة التونسية إن الرئيس قدم شرحاً مفصلاً عن الأسباب التي دعت إلى تفعيل الفصل الثمانين من الدستور التونسي والذي بموجبه تم تعليق عمل مجلس النواب، وكذلك إسقاط حكومة هشام المشيشي، وفي هذا الشرح أتى الرئيس التونسي على توضيح الصورة التي يريد مناوئوه تشويهها ونقل صورة للخارج في محاولة للضغط على الرئيس وتأليب الرأي العام الدولي ضد تونس وضد الشعب التونسي الذي خرج في مسيرات ليلة الخامس والعشرين من يوليو/تموز، ابتهاجاً بالتغيير الذي وقع، ورفضاً لاستمرار تلك المشاهد العبثية التي أنهكت الدولة. ولكن هل يكفي هذا الشرح لوزير خارجية أمريكا في تغيير المواقف الدولية التي تبدو متأرجحة بين الغموض والتأييد النسبي في معالجة الوضع التونسي؟
 يدرك سعيّد، قبل غيره حجم الخراب الاقتصادي والمالي الذي باتت عليه تونس بعد عشر سنوات من حكم طبقية سياسية عبثية، وقد أكد أن الخطر مازال جاثماً، لأن إزاحة مجموعة سياسية لا يعني شفاء تونس من أمراضها التي باتت لا تحصى، لكن هناك خطوات مهمة تثبت أن الرئيس قادر على هزيمة هذا الأخطبوط وهذا الجماعة التي يلخصها في ضمير «هم»، لكن الشعب التونسي يعرفهم جيداً، وهي الطبقة المتحالفة من سياسيين وفاسدين. استطاعت أن تشكل حلفاً قوياً سيطر على الدولة لمدة عشر سنوات وتحكّم في مصير الشعب التونسي.
 الخطوة الأولى التي تبشّر بأن الوضع لن يسير إلا في الطريق التي تجعل الشعب التونسي يتقدم، هي الموقف الحاسم لاتحاد الشغل وهو أقوى قوة اجتماعية في تونس، والمتعلق بأنه لا عودة إلى الوراء أي إلى وضع ما قبل الخامس و العشرين من يوليو/تموز. أما الثانية فتتعلق باللقاء الذي جمع اتحاد الشغل بالحكومة وهو اللقاء الأول منذ الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، والمهم في هذا اللقاء هو إعادة ربط علاقات التواصل بين الحكومة ومنظمة الشغيلة، مما سيؤدي إلى هدنة اجتماعية، بما أن الاتحاد يتوافق مع رئيس الجمهورية ومع الحكومة في نقطتين أساسيتين وهما الوضع الاقتصادي الصعب الذي لا يسمح بالمطالبة بتعديل الأجور أو الانتدابات وكذلك مسألة المديونية التي تقبل كاهل البلاد. ثم التوافق على أهمية محاربة الفساد الذي بات يصم الاقتصاد التونسي بأنه اقتصاد ريعي، وجب إصلاحه بطريقة جذرية.
 الخطوة الثانية التي يمكن أن نقرأها إيجابياً هي عودة الروح للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي والموقف السياسي الأمريكي الذي يدعم تونس ويطالب بوضع خارطة طريق للتحول الذي بدأ مساره منذ الخامس والعشرين من يوليو. فالدعم السياسي الأمريكي وازن من حيث تأثيره على قرارات صندوق النقد أو البنك الدولي في دعم التجربة التونسية والإصلاحات الاقتصادية المزمع تنفيذها.
 المحور الذي يجب الاشتغال عليه الآن وهنا في تونس، هو تقديم تطمينات للشعب التونسي على أنه لن تكون هناك عودة للوراء على المستوى السياسي، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، مع الأشقاء العرب ومع الشركاء الاقتصاديين التقليديين، والبحث عن شركاء قادرين على المساعدة الفورية، ليس من طريق الهبات المالية؛ بل باستثمارات فعلية يمكن أن تغير وجه تونس. فالمطلوب الآن بحث شراكات استثمارية مع عدة أطراف دولية لأن الاستثمارات الكبرى هي الطريق الوحيدة لإصلاح الوضع الاقتصادي في تونس.
وهناك في واقع الأمر بنك معطيات مهم يمكن توظيفه وهو المتعلق بمنتدى تونس 2020، والذي انتهى بإقرار حزمة مشاريع بقيمة 34 مليار دينار (أي تقريباً 10 مليارات دولار) لم ينفذ منها أي شيء إلى حد الآن. ويمكن بعد أن تم تنصيب الحكومة الجديدة فتح قنوات التواصل مع الدول والهيئات الاستثمارية ومع المانحين الدولية لإحياء تلك المشاريع التي ستقضي على البطالة وتعيد الاقتصاد التونسي إلى الطريق وبهذه الخطوات سيستطيع قيس سعيد، أن يهزمهم.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/fn45u76w