المؤامرة تعيق العقل

00:50 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

مع الأحداث الكبرى تشهد نظرية المؤامرة انتعاشاً ملحوظاً، ففي الفترة الأخيرة ونتيجة لترقب العالم لأحداث ومسارات ونتائج فيروس «كورونا» كان بإمكان أي متابع ملاحظة هذا الانتعاش ليس في مواقع التواصل وحسب، ولكن في الكثير من الكتب التي تتناول أبعاد المؤامرة كافة.

لا توصف تلك الفكرة «المؤامرة» بالنظرية من باب المبالغة، ولكن مطالعة كتاب أو أكثر يتناول ذلك الموضوع أو البحث عن مصطلح «نظرية المؤامرة» على شبكة الإنترنت تكشف لنا أنها نظرية متكاملة، لها أعلامها والآلاف من الأتباع، الذين يتوزعون على مختلف النشاط البشري، فهناك مؤامرات في السياسة وأخرى في التاريخ، وثالثة في العلوم..الخ، ويمكن تصنيف هؤلاء الأتباع أيضا وفقاً لدرجة الإيمان بالنظرية، فهناك من يرى أن أحداث التاريخ بأكملها مؤامرة، وهؤلاء يطلون علينا مباشرة في أعقاب وقوع أي حدث به قدر من الغموض أو اللبس ويرجعونه إلى المؤامرة، فضلاً عن هوس وتطرف نراه لدى بعض هؤلاء ممن يؤمنون مثلاً بأن الأرض مجوفة أو أن هتلر اختفى في القطب الجنوبي ولم ينتحر، أو أن أحداثاً تاريخية موثقة لم تقع، وصولاً إلى استخدام «المصطلح» في كتابات صحفية وتغطيات إعلامية حتى لدى من لا يؤمنون بتلك النظرية.

على الجانب الآخر هناك من يرفضون المؤامرة جملة وتفصيلاً، بل ويصفون أتباعها بنعوت سلبية، ما يطرح السؤال حول حقيقة نظرية المؤامرة.

إن مشكلة نظرية المؤامرة، بغض النظر عن الإيمان بها أو رفضها، تكمن في أنها تمنعنا من مواجهة الواقع، فعندما يردد المؤمن بها مثلاً أن الرأسمالية عملت دائماً عبر خطط وبرامج وسياسات على تقويض الاشتراكية، فأنه يهرب من مواجهة المشاكل الحقيقة التي كانت في المنظومة الاشتراكية، والآليات التي استخدمت في تطبيقها، ويلقى بالعبء على عدو متربص دائماً لا همّ له إلا التآمر، أي أنه تهرب من نقد الذات، وعاش حالة من عزاء النفس، لقد فعلنا كل ما علينا وقدمنا أفضل ما نستطيع القيام به ولكننا فشلنا، نظراً لتلك الخطط التي تحاك ضدنا في الخفاء، وذلك ينطبق على كل النماذج التي تزدهر فيها المقولات التابعة لتلك النظرية. في فيروس كورونا شاهدنا وسمعنا في مواقع التواصل تفسيرات عجيبة عن نشأة الفيروس وأسباب انتشاره، طالت حتى اللقاحات..كانت تفسيرات تتناول كل شيء إلا مناقشة الفيروس من زاوية طبية بحتة.

تكمن مشكلة نظرية المؤامرة أيضاً في ثبات التفسيرات نفسها، وعلى مدى تاريخي طويل، فمن يعود إلى الكتابات الأوروبية عن «الموت الأسود» في القرن الرابع عشر، سيلاحظ تلك التهمة الموجهة للشرق على أساس أنه موطن جميع الأوبئة التي يعمل على نشرها لأغراض سيئة، وهي التهمة نفسها التي تكررت في «كورونا».

تعود جاذبية نظرية المؤامرة لدى البعض في إكسابهم شعوراً بالتميز، فمن يؤمن بالمؤامرة يرفض التفسيرات الرائجة للأحداث التي يؤمن بها معظم البشر، ولكنه ينسى أن إلصاق كل شيء بالمؤامرة يتحول بمرور الوقت إلى نموذج جاهز وثابت يعيق العقل عن قراءة أي متغيرات جديدة.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/8t4bhvfp