اليسار الراديكالي الأوروبي

الحركات والأحزاب منذ ستينات القرن الماضي
22:33 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
2
2

عن المؤلف

الصورة
1
جيورجوس تشارالمبوس
جيورجوس تشارالمبوس أستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم السياسة والحكم بجامعة نيقوسيا، وهو أيضاً عضو في تنظيم المجموعة المتخصصة في الراديكالية اليسارية بجمعية الدراسات السياسية.
تشارالمبوس مؤلف كتاب «التكامل الأوروبي والمعضلة الشيوعية»(أشجيت، 2013)، وشارك في تحرير«العلاقات بين الحزب والمجتمع في قبرص»(روتليدج، 2016) و«الراديكالية اليسارية والشعبوية في أوروبا» (روتليدج، 2019).

هل اليسار جديد حقاً في عالم اليوم؟ كيف تطور اليسار الراديكالي الأوروبي؟ يجيب هذا الكتاب عن هذين السؤالين وغيرهما من الأسئلة من خلال النظر في ثلاثة أزمنة مفصلية في التغيير السياسي السريع من أواخر الستينات إلى أواخر السبعينات، ومطلع الألفية، وما بعد 2008. يتحدى هذا العمل الفهم التقليدي ل «اليسار الجديد»، ويناقش سلوكيات الحركات والأحزاب السابقة.

 مع تحول الأفكار إلى أفعال، تشترك الحركات الاجتماعية والأحزاب في أوروبا في عدد من أوجه التشابه والاختلاف مع المعبئين الراديكاليين في الستينات والسبعينات وحركات العدالة العالمية.. لماذا تطورت الأشياء بهذه الطريقة؟ هو ما تحاول الاستنتاجات في هذا الكتاب تجميعه من خلال تلخيص ومراعاة مسار حياة اليسار الراديكالي على مدى العقود الستة الماضية.

 يتعامل هذا الكتاب مع اليسار من خلال الحركات الاجتماعية وسياسات الأحزاب، ويبحث في الهويات والخطابات والتنظيمات، ويقدم نهجاً جديداً للتاريخ الراديكالي، فضلاً عن تقييم التحديات لكل من النشطاء والخبراء. يقول المؤلف في الفصل الأول من الكتاب: «منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، شهدت أوروبا الغربية، مثل العديد من المناطق الأخرى في العالم، اضطرابات اجتماعية وسياسية واسعة النطاق. جزء كبير من هذا كان مقاومة من الراديكاليين والتقدميين للحكم النيوليبرالي. في البداية، ركزت التعبئة على دعم ديمقراطية أفضل ومواجهة تنفيذ تدابير التقشف الصارمة على العديد من الجبهات الأخرى. تعامل العديد من الخبراء والمعلقين مع هذه المرحلة الممتدة حتى عام 2020 على أنها إشارة - على الأقل - إلى إعادة تعريف السياسة التقدمية، وعلى الأكثر زيادة دراماتيكية في تعبئة القوى المناهضة للمؤسسة الحاكمة، مستجيبين لأزمة رأسمالية ما بعد الديمقراطية من خلال المعارضة متعددة الأشكال».

 ويضيف: «في ضوء هذا، تم الإعلان عن حداثة اليسار الراديكالي بكثرة خلال السنوات الأخيرة. تسلط أبحاث ودراسات الحركة الاجتماعية الضوء على الحداثة والتكيف والتعلم. لقد ولّد الانتشار الواضح للاضطرابات في أعقاب الأزمة حديثاً عن اختلافها عن الحلقات السابقة من التعبئة المكثفة. تحدث النشطاء والخبراء على حد سواء عن اللاسلطوية «الجديدة» أو«الموجة الثالثة»، وما بعد الفوضوية، التي تمتزج مع مطالبات المواطنة في«اللاسلطوية». برزت ظاهرة الحركات، مثل«حركات (احتلوا) الاجتماعية» «الحركات الاجتماعية الشعبوية» و«الحركات الاجتماعية الجديدة». 

 يرى المؤلف أن اليسار الراديكالي يشتمل الآن أيضاً على«الحزب الرقمي»، و«الأحزاب اليسارية الشعبوية الجديدة»، والديمقراطية الاجتماعية المعاد تشكيلها كما في مرحلة قيادة جيريمي كوربين لحزب العمال البريطاني.

 فترات مفصلية

هل الاستدعاء المتكرر للتنشيط الراديكالي كشيء يقف في وجه القديم يقلل من أهمية التأثير الاشتراكي؟ لماذا يساء فهم أو استخدام مصطلح جديد، وسط هوس أوسع بالمصطلحات الجديدة، بما في ذلك تلك المتعلقة ب«اليمين الجديد» و«المركز الجديد» و«اليمين الراديكالي الشعبوي» و«اليمين البديل» وما إلى ذلك؟ ما الذي يمكن أن نتعلمه من حل هذه القضية التعريفية عن اليسار الراديكالي بشكل عام، وعن الأحزاب اليسارية الراديكالية والحركات بشكل خاص؟

 يرى المؤلف أن المهمة المطروحة تتمثل في إضفاء الطابع التاريخي على اليسار الراديكالي اليوم، وإلقاء الضوء على الاستمرارية والانقطاعات بين الأمثلة التاريخية المختلفة لسياسات اليسار الراديكالية في أوروبا الغربية. لأجل تحقيق هذا الغرض، يحلل الكتاب ويشرح أوجه التشابه والتمييز بين وعبر ثلاث فترات زمنية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، حيث كان يُفهم اليسار الراديكالي الأوروبي الغربي تقليدياً على أنه «جديد». تشمل هذه الفترات:

• التطورات الرئيسة حول التعبئة الراديكالية بعد منتصف الستينات وحتى أواخر السبعينات (ما سوف نسميه لونغ 68، الذي ترمز إليه انتفاضات مايو 1968 في فرنسا واعتباره الأرض المرتفعة الزمنية لليسار الجديد).

* الفترة ما بين منتصف التسعينات ومنتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي كانت خلالها حركة العدالة العالمية ذات شخصية مركزية في السياسة الراديكالية ودعمها العديد من الأحزاب الراديكالية اليسارية.

* حركات وأحزاب ما بعد عام 2008 حتى اليوم وفي جائحة كورونا العالمية (بدلاً من ذلك، نشير إلى هذه الفترة أيضاً باسم 2010). لقد تم الاعتراف بأهمية الراديكالية اليسارية في الكثير من الأدبيات في الستينات والسبعينات، وهي موجودة أيضاً في العمل على حركة العدالة العالمية والاحتجاجات المناهضة للتقشف في أوروبا التي تُعرف باسم «موجات» الاحتجاج، وهي جزء من فترات أوسع وأطول تشبه «دورات الخلاف»، أو التعبئة والمقاومة. في الوقت الذي تؤخذ فيه هذه «الموجات» في الاعتبار، فإن منظور «الحداثة» لا ينظر إلى موجات الخلاف ولكن إلى اليسار الراديكالي أثناء (وما بعد) هذه الموجات، التي تنبثق منها «الحداثة». من خلال مقارنة بين اليسار الراديكالي خلال هذه الفترات الزمنية، يهدف الكتاب إلى التحقيق في أنماط التطور منذ الستينات ويقدم تفسيراً يبررها.

 اليسار الراديكالي الأوروبي و«الحداثة»

 انعكست فترات «الحداثة» الثلاث على أنها عهود مميزة لليسار ككل. كما تم منحه، على الأقل في نظر أبطاله، أهمية رمزية ل «لحظة» رئيسية وعالمية في النضال من أجل عالم أفضل. كانت فترة ما بعد عام 2008 في أوروبا تتكشف في سياق موجة عالمية من المعارضة منذ عام 2008. كما أن عام 1968، مثل نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وسقوط جدار برلين حتى تفكك الاتحاد السوفييتي في 1989-1991، كان يُنظر إليه على أنه «لحظة تغيير عابرة للحدود». يبدو أن 2008 يتناسب مع هذه الفئة أيضاً، وكذلك الأحداث المحيطة بحركات العدالة العالمية من منتصف التسعينات إلى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تقريباً. وبشكل أكثر تحديداً، في «لونج 68»، قام الطلاب والعمال وغيرهم بتغذية المسارات الحزبية، وأنتجوا انفتاحات فكرية وتحدوا القيم الثقافية الراسخة والسلوك الاجتماعي. ابتداءً من عام 1968 وحتى حوالي ثلاث سنوات، كانت المظاهرات والاضطرابات الاجتماعية والسياسية والعنف ظاهرة عالمية، وكانت كافية لفهم الفترة على أنها ثورية. على مدى عقد بين أواخر الستينات وأواخر السبعينات، مع الامتداد ذهاباً وإياباً في بعض البلدان، تم حشد المظالم المادية وغير المادية على نطاق واسع، سواء في المجال الانتخابي أو غير الانتخابي.

 ويعلق المؤلف: «إن مسألة الجديد ليست مجرد قضية معجمية؛ فمن خلال دمج الماضي في شبكتنا التفسيرية، يمكننا تقدير وفهم الوضع الحالي لليسار الراديكالي الأوروبي بشكل أفضل، فضلاً عن تقييم تحدياته المستقبلية وتقييم تحركاته إلى الأمام. إن النظر إلى «الحداثة» بطريقة مقارنة تاريخية كلية يمكن أن يطرح السؤال التالي: هل تمت المبالغة في «الحداثة» وبالتالي التغيير، أو لا، بالنسبة للسياسات الاشتراكية اليوم؟

 الأحزاب والحركات والتاريخ

يشير المؤلف إلى أنه تم البحث في اليسار الراديكالي غالباً من«وجهة نظر الحزب»، أي مع التركيز على حسابات الحزب والاستراتيجيات والتكتيكات الانتخابية والمعضلات المؤسسية. هذه الزاوية لها فائدتها وباعتبارها إجهاداً تأديبياً وقد ولّدت نظرية حزبية غنية حول الراديكالية اليسارية. لكنها لا تستطيع إخفاء ما هو واضح ضمنياً: إن الأحزاب (والسياسة المؤسسية) هي المركز الطبيعي للسلطة، وبالتالي لها أهميتها المستوطنة على اليسار الراديكالي، من ضمن الفاعلين المختلفين وأشكال التعبئة المستخدمة في المقاومة الاشتراكية.

 يتناول التحليل أيضاً الجهات الفاعلة الأخرى المنظمة أو شبه المنظمة للراديكالية اليسارية - مثل النقابات العمالية اليسارية، والأجنحة اليسارية للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية وأحزاب الخضر، والثقافات الفرعية داخل اليسار، والنشاط الفكري والمشاركة الاحتجاجية، العمل المجتمعي الأوسع والحملات الأخرى. نظراً لأن هذا الجزء مفقود حالياً، ويتم استخدامه بشكل أساسي في أبحاث دراسة الحالة، لا تزال هناك ثلاث ثغرات شاغرة في حكمتنا الجماعية حول التعبئة والمقاومة من قبل الراديكاليين. كيف يبدو التقييم ذو المستويين للسياسة الراديكالية؟ وبشكل أكثر تحديداً، ما هي الطريقة التي تتطور بها أحزاب اليسار الراديكالي الأوروبي مقارنة بالحركات الاجتماعية غير المنظمة (أو الهيئات النقابية القائمة على المصالح)؟ وكيف تطور التفاعل أوالربط بين هذين النوعين من الكيانات عبر الزمن والبلدان؟

 السؤال الأول هو حول الاقتران متعدد الجوانب بين وعبر أنواع مختلفة من العمل الجماعي الراديكالي في أي نقطة معينة، والتي يمكن أن تكون متزامنة أو غير متزامنة. والثاني يتحدث عن وجهات نظر الحركات الاجتماعية والناشطين على مستوى والأحزاب السياسية والسياسيين على مستوى آخر. معاً، يسمحان لنا بالنظر إلى كل من السياسات الاجتماعية والمؤسسية على اليسار الراديكالي كإصدارات مكافئة نظرياً للتعبئة النقدية للنظام. التالي هو كيفية ربط إطار عملنا المتمركز حول الممثلين بالتطور التاريخي. تكمن المقارنة، أو بالأحرى التجاور، لثلاثة أمثلة تاريخية للسياسة اليسارية الراديكالية، كما هو الحال في هذا الكتاب، في البحث التحليلي عن «التعميمات حول الخصائص المشتركة ومبادئ التباين بين الأمثلة عبر الزمان والمكان».

 يركز المؤلف على أربعة معايير يجب أخذها في الاعتبار وهي: ما هو الاتجاه السائد والأكثر وضوحاً داخل الأسرة السياسية في كل فترة من الفترات التي تم النظر فيها وعبرها؛ ما هي«الاستثناءات» ولماذا؟ ما مدى تغير الوضع عبر البلدان؟ وكيف تطور اليسار الأوروبي الغربي في حد ذاته ولكن أيضاً فيما يتعلق بعالميته؟

بنية الكتاب

 الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء. يقدّم ويوضّح الفصل الثاني المفاهيم الرئيسية التي توجه التركيز التجريبي، ويحدد نهجاً مقارناً لدراسة اليسار الراديكالي، يركز على التعبئة من جهة مجموعة من الوكلاء الفرديين والجماعيين، بشكل رئيسي الأحزاب والحركات، كأجزاء مكونة من فضاء سياسي من عائلة تتنقل بين المقاومة والاستقطاب. من خلال التمييز بين أفكار المجموعة وأيديولوجياتها، والخطاب والتواصل، والتنظيم، بما في ذلك التكوين والربط، يعاين الفصل جوانب مختلفة من الناحية التحليلية ولكنها مترابطة للتعبئة والمقاومة. يقدم الفصل الثاني أيضاً تعريفاً عملياً لليسار الراديكالي يجذب إلى عالمه القوى الجماعية. يتقدم الجزءان الثاني والثالث على أساس النهج التصنيفي، واستنباط أوجه التشابه والاختلاف الرئيسية بين الفترات الثلاث «للحداثة» المعنية، مع الأخذ في الاعتبار بدورها الهويات والخطاب والتنظيم كأبعاد فاعلة للتحليل المقارن.

 يتناول الجزء الثالث الأحزاب السياسية والمنافسة الانتخابية. في كل فصل، تعكس الأقسام الأفكار الرئيسة والأنماط الخطابية والميول التنظيمية داخل اليسار، مع طرح سؤال كيف تغيرت (أو لم تتغير) حتى اليوم. يتناول الفصلان الثالث والسادس الديمقراطية ومعارضة العمليات والمذاهب الاقتصادية السائدة والتضامن والهجرة والعالمية. من هذا المنظور، تعتبر المواقف تجاه التكامل الأوروبي جزءاً أساسياً من القصة.

يتناول الفصلان الرابع والسابع الجمود أو على النقيض من ذلك، عالمية الخطاب اليساري الراديكالي، والثورة واليوتوبيا، والشعبوية والقومية، بوصفهما دلالات على الهوية اليسارية في مجال التواصل. يتعامل الفصلان الخامس والثامن مع السياسات الراديكالية، والتوتر بين التنظيم الأفقي والرأسي (الهرمي)، والديمقراطية كشكل إجرائي لتنظيم الحزب أو الحركة، وشرعية الدولة، والمقاومة المدنية والعنف، وقواعد الراديكالية اليسارية.

ضمن فصول الجزأين الثاني والثالث، يتبع كل قسم ترتيباً زمنياً واسعاً (وإن لم يكن صارماً للغاية). بشكل عام، كل بُعد من أبعاد التحليل مبني على موضوعات رئيسية ومختارة، والتي على الرغم من أنها لا تستنفد ما يمكن أن يسأله المرء ويقوله عن اليسار الراديكالي، إلا أنها تستجيب للادعاءات المتداولة حول «الحداثة» والموضوعات المرجعية التي تعتبر موضعية ومرجعية. تاريخياً؛ الموضوعات الأساسية للنقاش الفكري غير المتزامن لم تسمح بإجراء تقييم طويل الأجل. كما أنها تتضمن قضايا فرعية شاملة، وهذا يسمح لنا بفضح العديد من نقاط المناقشة الأخرى الأكثر تحديداً وذات الصلة حول الراديكالية اليسارية.

 من الناحية التجريبية، يمكن القول إن الكتاب مدفوع بحجج ومنهجية تعتمد على: (1) وجهة نظر تركيبية ومناقشة نقدية للآداب الحالية التي تركز على التعبئة والمقاومة المناهضة للنظام عبر التخصصات، وهي العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي والاقتصاد السياسي والتاريخ و النظرية الاجتماعية و(2) تحليل البيانات الإجمالية والقطرية من المسوحات الدقيقة والمصادر الأولية الأخرى، والتي تشمل مواقع الويب والأرشيفات على الإنترنت وتدخلات النشطاء والسياسيين ومواد الاتصال الأخرى.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
توم نيكولز
1
جيفري أ.فريدمان
1
إليزابيث بورجواردت. كريستوفر ماكنايت. نيكولز أندرو بريستون
2
روبرت ج.باتمان، باتريك كولنر، بالاز كيجليكس

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
سوزان روز أكرمان
1
طارق علي
2
ألكسندر بيتس
1
دانيال إس ماركي
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش
1
بول هونج، ويونغ وون بارك