استكشاف «الضباب المهني»

21:07 مساء
قراءة 3 دقائق

د. راسل قاسم

ما أن تبرز كلمة «ضباب» أمامك، حتى تقفز إلى ذهنك فكرة محدودية الرؤيا ووجوب أخذ الحيطة والحذر، فإذا كنت تقود مركبتك تبطئ سرعتك وتترك مسافة كافية، أو تفضّل الوقوف في الأماكن المخصصة وتقوم بتشغيل الأضواء التحذيرية.

هناك العديد من الأسباب التي يُؤتى بها لتبرير تشكّل الضباب؛ كازدياد الرطوبة، وتكوّن المرتفعات الجوية، والتيارات الباردة القريبة من سطح الأرض. كما أن الضباب مجرّم بأكثر من تهمة لا تقف عند عرقلة حركة المرور، بل يضاف إليها زيادة معاناة أصحاب الأمراض التنفسية، والضرر الذي يسببه النوع الحمضي منه على الغابات والمساحات الخضراء.

أزيح لك الستار اليوم – عزيزي القارئ – عن نوع آخر من الضباب، نتخبط فيه دون أن نراه، نرزح تحت ثقله دون أن نلمسه، إنه ذلك الضباب المهني الذي ينتشر في ميادين العمل ويلف أروقة المؤسسات.

تختلف الأسباب والمظاهر وكيفية التعامل مع «الضباب المهني» عما هو عليه الحال مع الضباب العادي. فيتشكّل الضباب داخل ردهات المؤسسة عندما تغيب الرؤية وتميع الأهداف وتتقزّم المبادرات والمشاريع، قد يكون هذا الغياب حرفياً فلا تمتلك المؤسسة ما قمنا بذكره، كما قد يكون هذا الغياب مجازاً، فإذا بحثنا نرى رؤيةً وأهدافاً ومشاريع، ولكنها كائنات فقدت ظلها وتحولت إلى أشباح لا تُرى، فلا المدير يبصرها، ولا الموظف يأنسها.

الضباب المهني لا يفرّق بين البشر والحجر، فكما المؤسسة يمكن للموظف أن يلفّه الضباب، وذلك عندما يفقد بوصلته المهنية، ويجدّ البحث عن شغفه فلا يجده، ويحاول تلمّس مستقبله المهني دون جدوى، حتى عندما يجرّب حظه في اقتفاء أثر أحد السابقين، أو اكتشاف طريق أحد القوافل المهنية، يعود خالي الوفاض خائب المحيا.

يحقّ لنا هنا أن نتساءل: هل يتشكل الضباب المهني بسبب ظروف وعوامل خارج عن إرادة الفرد أو التنظيم؟ أم أنه نتيجة تقصير وتقاعس يمكن تفاديه؟

آخذاً بما توفّر من شواهد، وما تيسّر من قرائن، أجد نفسي مطمئناً إلى أن الضباب المهني ليس ظاهرة طبيعية تحكمها أحوال خارجة عن السيطرة، وإنما هو نتيجة لأفعال نقوم بها، أو أفعال نمتنع عن القيام بها. فالمؤسسة التي تستهتر في رسم شخصيتها الاستراتيجية، ترحّب بجزر الضباب على أبوابها، والتي سرعان ما تنتشر بينها وبين متعامليها، وبين رؤسائها ومرؤوسيها. أما الأفراد الذين يعتقدون أن القيام بتكوين شخصية مهنية واضحة، بارزة الحواف حادة المعالم هي ترف يمكن تأجيله أو حتى الاستغناء عنه، هؤلاء هم من يتسرب الضباب من خلفهم ويصل أفكارهم، فيقعون ضحية التشويش ويهرعون إلى السير في دوائر تستنزفهم دون أن تصل بهم إلّا إلى المكان الذي بدأوا منه.

ماذا علينا أن نقول لمن أراد تفادي الضباب المهني؟ أو رغب بقشعه بعد أن حلّ؟ أوّل ما عليك فعله هو أن تقرر أين ترغب أن تصل، ومن ثم تقرر الطريق الذي ستسلكه للوصول إلى وجهتك المرغوبة. ليس من الحاسم الكيفية التي تسقط فيها ذلك كأن تلجأ إلى أحد أدوات التخطيط كالتخطيط الاستراتيجي أو التشغيلي أو الشخصي، أو إلى منهجية من المنهجيات أو قالب من القوالب. الحاسم في الأمر هو وضوح المقصد والطريق، وهمّتك في سيره إلى منتهاه.

وعلى اعتبار أن ما كثيره ضار قليله نافع، يساعد الضباب المهني الخفيف أكثر ما يؤذي، فهو إشارة إلى ضرورة إعادة النظر فيما تقوم به، الأمر الذي قد يفضي إلى تعديل طريقك وتصحيح وجهتك، أو إلى أن يزيدك تمسكاً بدربك الحالي، وإيماناً بأنك على المسار الصحيح.

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"