هل السيّاب صناعة لبنانية؟

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

هل الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب صناعة أدبية إبداعية لبنانية على الأقل في جانب محدّد من الاهتمام الثقافي به في بيروت ستينات القرن العشرين؟، حيث نجومية الحداثة الشعرية العربية المتمثلة في مشروع مجلة شعر؟.
يتبادر إليك هذا السؤال أو التساؤل المركب الطويل إذا قرأت المادة الثقافية الحرفية للكاتبة سوسن الأبطح في «الشرق الأوسط» أمس، حول كتاب سيصدر في بيروت عن «دار نلسن» تحت عنوان «خميس مجلة شعر» جمع فيه الأب جاك أماتييس السالسي دراسات وصوراً ووثائق ومحاضر اجتماعات ونقاشات جماعة مجلة شعر والتقائهم الأسبوعي في ما كان يُسّمى آنذاك «خميس مجلة شعر» في الفترة من أواخر خمسينات القرن العشرين، وحتى أواسط ستيناته «برؤية واضحة عن الجوّ الأدبي» كما تقول سوسن الأبطح، التي تعوّدنا منها دائماً على مادة ثقافية سبقية إن جازت العبارة، وفوق ذلك، هي مادة حية وحيوية في الوقت نفسه رغم مرور عقود من السنوات على ظاهرة مثل ظاهرة قصيدة النثر العربية.
قبل الكلام على «صناعة السيّاب» في بيروت من خلال كتاب الأب السالسي، تجدر الإشارة، وللحساسية الثقافية التي من الممكن أن تثيرها هذه «الصناعة» أن جبرا إبراهيم جبرا هو صناعة عراقية أو جزء من صناعة عراقية، فلا ضير أو «قشعريرة» هنا من كلمة عبارة صناعة لبنانية أو أية صناعة أخرى. غالب هلسا صناعة مصرية على عراقية على لبنانية، وجزء من «التصنيع الأدبي أو الشعري» لمحمد الفيتوري جرى في بيروت الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وعبدالرحمن منيف صناعة أردنية، عراقية، سعودية، أو أن منابع تكوينه الشخصي والأدبي والثقافي يتجمّع في هذه الجغرافيات، وقسطنطين كفافي صناعة اسكندرانية، أدونيس ويوسف الخال والماغوط صناعة لبنانية أيضاً، وهكذا، فقد كان بدر شاكر السيّاب شاعر نهر بويب العراقي وشناشيل ابنة الجلبي البغدادية حاضراً في بيروت، في خميس مجلة شعر، وفي إحدى خميسات هذه المجلة - العلامة في الشعرية العربية الحديثة، كان صاحب قصيدة «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر» حاضراً بكل كلاسيكية الشعرية وكل تفعيليته بين شعراء قصيدة النثر العربية وطلائعها آنذاك.
في فبراير 1961 خصصت بيروت متمثلة في أحد خميسات مجلة شعر جلسة مطوّلة لمناقشة ديوان السيّاب «أنشودة المطر»، واشترك في مناقشة الديوان: أنسي الحاج، ويوسف الخال، وفؤاد رفقة، وثمة كاتب لم نعرفه أو لم يكن الضوء مسلّطاً عليه هو هاني أبي صالح، وشاركت في مناقشة ديوان السيّاب الناقدة خالدة سعيد، ولور غريب، واللافت أن أنسي الحاج عَلم قصيدة النثر، والذي لم يقترب من قصيدة التفعيلة في حياته، كان في ذلك اللقاء النقاشي حول «أنشودة المطر» الأكثر تحمسّاً للحوار، وكانت المداخلات تتناول بعمق مبكر أثر الأسطورة في شعر الشيّاب، بل إن هذا المحور الأسطوري تحديداً هو عنوان ذلك اللقاء البيروتي الذي اعتنى بشاعر عراقي تفعيلي مازالت الكلاسيكية العمودية «الخليلية» عالقة في نسائج شعره حتى اليوم.
أياً كان التعليق على صناعة ما مهما كانت جغرافيتها العربية، فهي كانت علامة عافية أدبية نقدية، وليت لنا اليوم الكثير من تلك الصناعات المنقرضة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"