الإمارات.. رؤية ما بعد الخمسين

00:32 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. عبد الحسين شعبان

قبل خمسين عاماً تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة بجهود حثيثة ومخلصة ومتفانية من جانب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، والحكام الذين اقتنعوا بأهمية قيام اتحاد بين الإمارات التي يمثّلونها. ومنذ الثاني من ديسمبر / كانون الأول 1971 دخلت الدولة الوليدة التاريخ الحديث للأمة العربية، بل وللمنطقة والعالم من أوسع أبوابه بالتدرّج والتراكم والتطوّر وبالحكمة والعقل والاستثمار في الإنسان؛ كدولة اتحادية ذات خصوصية استثنائية.

وإذا راجعنا تاريخ الخمسين عاماً المنصرمة فيمكننا التوصل إلى عدد من الاستنتاجات التي تؤكّد نجاح الدولة في مسارها الاستراتيجي من خلال مؤشرات موضوعية وعلمية لأي دولة في العالم، خصوصاً حين تسير بخط تصاعدي وبموافقة ورضا الناس وتأييدهم ودعمهم وثقتهم، وهذه إحدى عناصر الشرعية السياسية التي تتفاعل مع المشروعية القانونية، أي السير بخطّ يتوازى فيه قبول المحكومين للحكام، بل وتأييدهم، مع احتكامهم لسيادة القانون الذي ينطبق على الجميع.

وبموجب هاتين الرافعتين رضا الناس وحكم القانون، سارت دولة الإمارات وفق عوامل تقدّم أهمها:

الاستمرارية؛ وإذا كان هدف إقامة دولة الاتحاد مطمحاً أساسياً مشروعاً وضرورياً للنهضة الإماراتية الراهنة، فإن استمراره وتطويره ومأسسته وبناء جهاز عصري متقدّم للحكم، يعتبر ركناً مهماً، بل لا غنى عنه للتواصل والتفاعل والتطور، الذي بموجبه تمتلك الدولة عنصر الصيرورة المتقدّمة، وهو رهان المستقبل.

الاشتغال على الإنسان، بهدف بنائه على أسس سليمة، من خلال تلبية حاجاته الأساسية، في العمل والصحة والتعليم والسكن والضمان الاجتماعي والتقاعد، إضافة إلى توفير مستلزمات رفاهه. ولعلّ هذا الهدف هو هدف أي دولة وأي نظام وأية أيديولوجية أو فلسفة تزعم خدمة الإنسان وتحقيق سعادته، وإن تفاوتت الأيديولوجيات والفلسفات بين الماديّة والمثالية، لكن «التعكّز» على الإنسان وتلبية احتياجاته كان من مبرّراتها، وإذا بدولة الإمارات تستثمر بالإنسان وتعمل لتحقيق طموحاته المادية والمعنوية، وذلك عبر رعاية الدولة ومنهجها وخططها في رفع مكانته وتعزيز دوره، ولهذه الأسباب احتلت دولة الإمارات مكانة خاصة في العالم، بل إنها أصبحت مطمحاً يسعى إليه من يفتقد لذلك.

ومن أهم الإنجازات الكبرى على هذا الصعيد بعد المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية والبيئية، يمكن الإشارة إلى بعض ما تحقق في هذا الميدان في السنوات الأخيرة، على الرغم من مداهمة فيروس كورونا العالم أجمع، مثل تشغيل محطّات براكة للطاقة النووية السلمية، وهي أول مفاعل سلمي للطاقة النووية في العالم العربي. وسينقل «براكة» مسار التنمية في الإمارات إلى مراحل متقدّمة تضعها في «نادي الكبار» وفقاً لالتزاماتها ببناء اقتصاد متنوّع ينسجم مع المعايير الدولية، سواء فيما يتعلّق الأمر بالمناخ أو بالمحافظة على استدامة الموارد الطبيعية أو خفض الانبعاثات الكربونية.

وكانت الإمارات قد حصدت ثمار منجزها التاريخي بوصول «مسبار الأمل» في 9 فبراير / شباط المنصرم 2021 كأول دولة عربية وخامس دولة بالعالم إلى المريخ، وهو مشروع علمي يخدم الإنسانية جمعاء؛ وها هي اليوم تحتضن إكسبو 2020 كأول إكسبو عربي في 1 أكتوبر / تشرين الأول 2021 والذي يستمر إلى 31 مارس / آذار 2022، تحت شعار «تواصل العقول وصنع المستقبل»، وهي المرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا يلتئم مثل هذا المعرض المهم الذي يستضيف كفاءات وطاقات وابتكارات من أجل إلهام الأجيال المقبلة ومشاركتها بالتنمية والتقدم المستقبلي.

قيم التسامح التي حملتها والانفتاح الذي سارت عليه، جعلاها قبلة للسياحة والسفر والمواصلات الدولية، حيث تعتزّ الإمارات كونها مكاناً مناسباً للعيش المشترك يلتقي فيه البشر من قوميات وأديان وجنسيات وألوان مختلفة، ومتحدرين من 200 دولة في حالة من التعايش والمساواة القانونية دون تمييز.

لقد عمدت الإمارات على بناء صروح السلام من خلال القيم التي ظلّت تدعو لها، وهي قيم للتسامح والسلام والأخوّة الإنسانية. وليس غريباً أن يتم توقيع «وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» في أبوظبي عاصمة الدولة من قبل شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب والبابا فرنسيس في 4 فبراير / شباط 2019 والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2020، حيث قررت اعتبار 4 فبراير/ شباط من كل عام يوماً للأخوّة الإنسانية، وذلك إضافة إلى يوم التسامح العالمي في 16 نوفمبر / تشرين الثاني الذي قررته اليونيسكو في العام 1995.

ولم يكن ممكناً أن تسير الإمارات في هذه الطريق دون وحدة وطنية متينة، ورؤية سياسية داخلية وخارجية وخطط استراتيجية بعيدة المدى ومتوسطة، وقراءة سليمة للظروف والأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة وبأفق مستقبلي ينسجم مع مصالحها.

إن رؤية ما بعد الخمسين المستقبلية، أي مئوية الدولة 2071 ستكون مشروعاً مستقبلياً، وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي قد طرح وثيقة الخمسين، ولخّص فيها رؤيته النهضوية وجوهر الوثيقة يتلخص في روح التلاحم الشعبي مع القيادة بتأكيد اللحظة الإماراتية الفارقة والتي تقوم على التنمية كأولوية وتعزيز الاتحاد والعمل كفريق واحد، في إطار وحدة وطنية، لرئيس واحد وعلم واحد. وقد تم إقرار الوثيقة التي اشتملت على عشرة مبادئ، وهي تمثل رؤية ما بعد الخمسين.

هذه المبادئ والمنطلقات تشكّل خريطة طريق خمسينية جديدة، يمكن تطعيمها بخطط خمسية أو عشرية وتعديلها طبقاً للظروف والمتغيّرات، ومثل هذه الرؤية تمثّل نموذجاً جديداً في الإدارة على المستوى العالمي، ويحقّ لكل متابع أو مهتم أن يقرأ ذلك بأفقه المستقبلي وبالدور المنشود لهذا البلد العربي العتيد.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمي ومفكر وكاتب عراقي، وهو نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت. له مساهمات متميّزة في إطار التجديد والتنوير والحداثة والثقافة والنقد. يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأديان، والدساتير والقوانين الدولية والنزاعات والحروب. صاحب نحو 70 كتاباً ومؤلفاً.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"