عادي

تريم وعبدالله عمران رجلا دولة دعما الاتحاد بالموقف والكلمة

ساندا زايد وراشد بمواقف مؤثرة وأدوار لا تمحى
20:11 مساء
قراءة 8 دقائق

عيد الاتحاد الخمسون: جيهان شعيب

في الأحداث الكبرى وقفات لا تنسى، وكلمات لا تندثر، لرجال كانت لهم فيها مواقف مؤثرة، وأدوار لا تمحى، ورغم تراكم السنوات، وتوالي المجريات، وكثرة المستجدات، إلا أنهم باقون بما قدموه، وكانوا به من الأسباب الموازية في تكريس النجاح، وترجمة الأحلام إلى واقع متميز يفوق التوقعات، ويتجاوز في العلو ما كان منتظراً.

وفي اليوم الوطني لإمارات الكرامة والعزة، وباستدعاء تفاصيل قيام الاتحاد، بسعي وإرادة، وفكر حكيم، من المغفور لهما، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراهما، نجد أن الراحلَين الكبيرين الشقيقين تريم عمران تريم، ود. عبدالله عمران تريم، رحمهما الله، يتصدران المشهد، بالدور البارز الذي قاما به، في مساندة فكرة ومسيرة الاتحاد، وجميع مراحل تأسيسه، بأداءات مختلفة، كانت مشهودة، ومعززة لنجاح التجربة الوليدة التي أضحت صرحاً شامخاً، هو دولة الإمارات العربية المتحدة، الفضلى - بتأكيد جمعي - لمن فيها وخارجها، إلى جانب كلماتهما التي تضمنتها مقالاتهما في صحيفتهما «الخليج» البيت الإعلامي الذي صبّا من خلاله رؤاهما، ووجهات نظرهما، وكان بمنزلة قناتهما المقروءة، وسبيلهما لتوصيل القناعات المختلفة، لأبناء المنطقة الخليجية ككل.

بمراجعة دور الشقيقين تريم عمران ود. عبدالله عمران، في مراحل تأسيس الإمارات، نجد أنهما ساهما في إقامة اتحادها، وكانا من رواد تأسيس الصحافة الخليجية، بتأسيسهما جريدة الخليج عام 1970، وأدّيا دوراً كبيراً في مكافحة الاحتلال الإنجليزي، وكانا ضد نفوذ شاه إيران وقتئذ في الخليج، لانتمائهما إلى التيار القومي، وأيضاً كانا دعاة «الاتحاد التساعي»، حيث طالبا بتوحيد إمارات الخليج التسع عقب خروج الاحتلال البريطاني في مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي، وحينما بدا من العسير قيام الاتحاد التساعي، كانا في مقدمة المنادين بإقامة الاتحاد السباعي الذي هو اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة، كما كان تريم عمران عضواً مشاركاً في مفاوضات تشكيل اتحاد الإمارات، وسفيراً للإمارات لدى مصر، ورئيساً لوفد الإمارات لدى جامعة الدول العربية حتى عام 1976، ومن ثم انتخب عام 1977 رئيساً للمجلس الوطني الاتحادي، وظل في موقعه دورتين متتاليتين.

وفي تلك الفترة ركَّز على القضايا المتصلة بدعم الكيان الاتحادي الجديد، وتكريس حضور الدولة الاتحادية ضمن الأسرة العربية، وكان دائم المطالبة بتوسيع الصلاحيات الاتحادية، وتقليص السلطات المحلية، ليعمل المحلي مع الاتحادي لمصلحة الوطن والمواطن، إلى جانب إصراره على أن تسري التشريعات الاتحادية، ومشروعات القوانين التي يجيزها المجلس، على كل أنحاء الدولة إعمالاً لنصوص الدستور الذي أعطى الاتحاد حق التشريع، مع رفضه تمديد دستور الدولة الذي ظل فترة طويلة حينذاك مؤقتاً، والتشديد على أن يكون للدولة دستور دائم، وتم ذلك بالفعل في فترة لاحقة، فيما كان مطلب توطيد أركان الاتحاد على رأس توصيات المذكرة المشتركة التي صاغها تريم، وركزت على تعزيز وحدة الإمارات.

صياغة التشريعات

أما الراحل د. عبدالله عمران، فكان أول وزير للعدل في دولة الإمارات العربية المتحدة بين العامين 1971 – 1972، ثم وزيرا للتربية والتعليم (1972- 1979) ثم عاد وزيراً للعدل خلال الفترة من 1990 إلى 1997، وعمل ضمن فريقه الوزاري على صياغة العديد من التشريعات، التي كان لها كبير الأثر في تقويم البنية التشريعية للدولة في مختلف المجالات القانونية، كما كلَّفه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بتأسيس جامعة الإمارات، وكان أول رئيس أعلى للجامعة، حيث عمل على وضع العديد من المناهج وطرق التعليم والدراسة، كما عمل مستشاراً للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فضلاً عن طرحه مع شقيقه من خلال صحيفتهما «الخليج» العديد من المواضيع الساخنة التي تهم الوطن، عبر مراحله المختلفة، وكذا المواضيع التي تهم الوطن العربي، والعديد من الملفات الوطنية الأخرى، خاصة المتعلقة بالاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، والقضية الفلسطينية.

ونتذكّر هنا قول الراحل د.عبدالله عمران، إن قيام اتحاد الإمارات في بداية الأمر لم يكن سهلاً، بل كان نتيجة مخاض صعب، وسط محيط غير مستقر، وإن التحدي الذي واجهه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان بناء دولة قادرة على البقاء، وقبل ذلك التعامل مع ظروف محيطة غير طبيعية، وبوعي القائد، والحكيم انطلق زايد الخير يؤسس، ويبني، ويخطط، ويعقد الاتفاقيات، حتى قدم أنموذجاً فريداً في الحكم الرشيد، تجلى أكثر ما تجلي في البرنامج الاستثماري الذي لم يترك شبراً من أرض الوطن، وكان تركيزه على الإنسان، وعلى تأمين رفاهيته، وأمنه، واستقراره.

كلمات في مقالات

وعقب إعلان قيام الاتحاد، وفي مقال بعنوان «هذه الدولة التي نبني» قال تريم عمران: «الاتحاد أُعلِن، وتحولت الشعارات فجأة إلى حقائق، ووضع الناس أمام أمانيهم وجهاً لوجه، انقلبت الأدوار تماماً، فنحن الذين كنا نصيح ونطالب، أصبح مطلوباً منا، نحن الذين كنا نلوم، سنكون ملومين، فبعد الاتحاد سيكون العمل ليس عمل حكام أو أجهزة، سيكون عمل شعوب، عليها أن تبني وتنمي هذا الأمل، عليها أن تدافع عنه وتحميه، فإعلان الاتحاد يبدو سهلاً، ولكن المحافظة عليه هي الصعبة، بل الصعبة جداً في ظروفنا، فلنتسلح جميعاً بالوعي، والإيمان، والإصرار، حتى نحافظ على استمرار هذه البذرة الطيبة، ونؤمّن لها المناخ الصالح للنمو، مثل هذه دولة تستحق أن نعمل لها حتى آخر حبة عرق، وندافع عنها حتى آخر قطرة دم، لأنها دولة عروبة المنطقة أمانة في عنقها، وكرامة الإنسان أهم أسسها، دولة تقوم على العلم والتخطيط، وعدالة التوزيع، دولة الرجال العرب الأحرار، التي طالما عشنا نحلم بها خلال مسيرة شاقة مظلمة، وصلت بنا اليوم إلى بداية مسيرة شاقة، لكنها مضيئة.

حتماً ستولد دولة جديدة في هذا الجزء الصغير من الأمة العربية، وهذه المناقشات الطويلة المتدفقة التي ندور فيها هذه الأيام ستنتهي، ويطلب منا أن نوقف الجدال ونبدأ العمل، ومن الآن علينا أن نحدد نوع العمل الذي سنقوم به وقيمته بالنسبة إلينا، وللأجيال القادمة، هذه الدولة التي نصنعها اليوم كيف نريدها؟ نريد أن نصنع المواطن العملاق، العربي الحر، في الرأي، والعقيدة، غير المكره على الانحناء أو النفاق، الذي يتمتع بمزاياه الإنسانية كاملة، على أساس المبدأ السامي «كلكم سواسية»، وهذه مساواة يكفلها القانون، فلا عقوبة بلا قانون، الكل أمامه سواء، وهذا الإنسان الحر، المؤمن بيومه وغده، الميسرة أمامه سبل العلم والعمل، سيكون مسؤولاً عن المشاركة بالرأي والعمل في بناء الدولة، دولة الأحرار المتساوين، ومن مجموع هؤلاء ستبنى الدولة الحرة القادرة، وكلما شعر المواطن بمدى ما يوفره له وطنه من عزة، كلما كان عطاؤه لهذا الوطن لا يعرف الحدود».

«تجارب السنوات»

وفي افتتاحية بعنوان «نحن أمام تجارب السنوات»، قال تريم عمران: من تجارب السنوات الماضية بحلوها ومرّها، يجب أن نتعلم الكثير من الدروس، نتعلم أن القضايا لا تحل بالدوران حولها، بل بالدخول المباشر في صلبها، فإما أن تكون، فتختصر الوقت، وإما لا تكون فتوفر الجهد، ونتعلم أن في السياسة فناً اسمه «فن الممكنات»، أي أن نبدأ بما هو ممكن وموجود، لنصل إلى ما هو محتمل، أو ما هو مأمول، فمثلاً إذا كانت الوحدة الشاملة لكل العرب هي الهدف السامي، فهذا لا يعني أن نرفض توحداً، قد يكون خطوة على الطريق، فإما الكل أو لا شيء، فهذا يعني طفولة سياسية خطرة، وكذلك بالنسبة لوحدة الخليج، إذ يجب الدفاع عن فكرة أن نشرك الناس فيها، بحيث تبدو نابعة من مصالحهم، وللدفاع عن نظام يجب أن نضعه في خدمة آمال الناس، لا ضد أمانيهم، ففكرة الاتحاد ارتبطت هنا في أذهان الجميع بأنها مولد الاستقرار، والرخاء، والعزة في ظل دولة لها دورها العربي والإنساني.

ومن كلماته أيضاً عن الاتحاد، وبعنوان «صلابة البناء الداخلي» قوله: كياننا يعتمد أولاً على أننا عرب، وثانياً على أننا أحرار، وكوننا عرباً يعني أننا مصرون على المحافظة على الكيان العروبي، مالكاً لمصيره بلا مهانة، ببناء أسس الإطار الذي يحمي التكتل العربي مرحلياً، في مواجهة الأخطار المحدقة به، على أن يطور هذا الإطار بإدخال الجانب العلمي من الحضارة المعاصرة، لرفع مفاهيم الإنسان وتوعيته، بمتطلبات عالم اليوم، وأحراراً يعني إننا قد نختلف، وقد نتناقش، وإننا نؤمن بحق الآخرين في التفكير، والنقاش بكل حرية، ولكننا في النهاية نلتزم بالرأي الصحيح، والملائم لأوضاعنا، وإن حل كل خلافاتنا الفكرية سيكون حلاً عقلانياً، إننا في النهاية إخوة في العروبة، وإخوة في المواطنة، وإخوة في مواجهة الخطر، وإن النقاش والحرية تعنى نقاء الجبهة الداخلية، وبلورتها في كتلة شديدة الصفاء، شديدة الصلابة، قادرة على مواجهة المخاطر، والتحديات، فبغير جبهة داخلية صلبة، أساسها المواطن المشارك المقتنع الحر، سنحرث البحر من دون جدوى.

يومنا الوطني

وكان الشقيقان تريم وعبدالله عمران وعلى مدار السنوات، من الداعمين للاتحاد بعد تأسيسه، وعملا على تكريس أهميته من خلال افتتاحيات عدة في صحيفتهما «الخليج»، ومنها قول للدكتور عبدالله عمران في افتتاحية بعنوان «كلمتنا.. وعيدنا الوطني» جاء فيها: هذا يوم للمواطن والوطن، وهو العروبة عندما عبّرت عن نفسها بالاتحاد، فالثاني من ديسمبر عام 1971 تعبير حقيقي عن ضمير المواطن من جهة، وتأكيد على عروبة هذه المنطقة من جهة ثانية، لذلك فإن هذه التجربة الاتحادية التي مرت تسع سنوات على قيامها هي انتصار للعرب في كل مكان، لأنها لم تهدف لزيادة الكيانات العربية بعضو جديد في الجامعة العربية، بقدر ما أراد فيها شعبنا أن يدافع عن وجوده القومي، وشخصيته الثقافية، وامتداده التاريخي والحضاري، في ظروف عربية يتم فيها تآمر متصل على الوحدة العربية، والأهداف القومية، وضمن ظروف دولية تتحكم فيها القوة، والقوى المعادية.

ومن هنا فإن هذه الذكرى، وهذه المناسبة تعني أن فكرة الدولة الاتحادية خرجت من طور «التجربة» إلى طور «الحقيقة» الواقعية الملموسة، وهذا يعني ضمن ما يعني في نواح كثيرة أن الموقف الذي يقفه المواطن في أي موقع من مواقع العمل الوطني، بتأييد دولة الاتحاد، والدعوة لتثبيت أقدامها، ليس هو هدف المرحلة المطلوب، بل إن المطلوب الآن هو إعطاء دولة الاتحاد شكلاً، ومضموناً عصرياً، أكثر من ذي قبل، يخطو بها خطوات حثيثة ومتزنة، نحو وحدة اندماجية، تتلاشى فيها كل ألوان التفرد والتفرقة، وذلك على أسس دستورية، وتمثيلية علمية، وعقلانية محسوبة على ربح المستقبل بصورة كاملة، عن طريق التعامل مع الحاضر، بمبدئية، ومسؤولية، وعندما نفتح عيناً على ما تم في عمر هذه التجربة الاتحادية من أمور معروفة لنا خلال السنوات الأخيرة، ونحاول أن نحيط بالعين الأخرى مستقبلاً يصنعه كل مواطن، فإننا ندعو إلى عمل متصل، ومتواصل، ومستمر على هذه الطريق الشريفة، طريق الوحدة، والحرية، والكرامة.

ميزانية اتحادية

وحرص الشقيقان تريم ود. عبدالله عمران من خلال مقالاتهما، على المطالبة بأمور عدة لتعزيز أركان الدولة، وواظبا على بحث كل ما من شأنه تكريس اتحادها، وأهمية نهضتها، وتطورها، ومن ذلك مطالبة تريم عمران بأن تكون للدولة ميزانية اتحادية واحدة، للوفاء باحتياجات التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، وتحقيق نهضة متكاملة، ومتوازنة في كل الإمارات، وحول ذلك جاء قوله: «مسؤولية الدولة عن كل أقاليمها تقتضي إقامة التكافؤ والتوازن بين كل الأقاليم، ولا يستقيم مع مبدأ التكافؤ أن ينضح أحدهما بالثروة، بينما يشكو الآخر من عدمها، الأمر الذي ينعكس بآثاره في اختلاف قدرات كل منها على تحقيق النهضة، وفي اختلاف الفرص الاقتصادية والاجتماعية المتاحة لمواطنيه».

وفي السياق نفسه أضاف قائلاً: «إن اندماج الإمارات في الدولة الواحدة، وارتباطها بهذه الدولة يتنافر سياسياً واقتصادياً مع استئثار كل منها بمواردها، لما يجره ذلك من تناقضات عميقة داخل الدولة، وعدم توازن اقتصادي، بسبب عدم قدرة إحدى الإمارات على استيعاب فوائض إيراداتها، وعدم قدرة الأخرى على تدبير الحد الأدنى لإيراداتها، ووقوف الدولة الأم بين الاثنتين عديمة الموارد تنتظر المساهمات وتلحّ في المطالبات وتتعثر في إصدار ميزانيتها لحين تدبير الموارد اللازمة لبناء قوتها وتنميتها».

دستور دائم

وهنا تأكيد من د. عبدالله عمران عام 1980 على أهمية إقرار دستور دائم للدولة، وفي مقال بعنوان «الدستور الدائم.. لماذا؟» قال: لقد شارفت البلاد على الانتهاء من فترة العمل بالدستور المؤقت، وبعد هذه السنوات التسع - على قيام الدولة - اكتسب المواطن، على مختلف صُعد العمل الوطني، خبرة وكفاءة، وبرزت إلى واقع الحال إرادات وطنية حقيقية، أكدت أحداث السنوات التسع الماضية، وأحداث هذا العام محلياً، وخليجياً، وعربياً، أنها تتفهم خصوصية التجربة السياسية في البلاد، وأنها تمتلك إجابات واقعية للعديد من الأسئلة التي تواجه البلاد والمواطن، لذلك فإن الانتقال بالبلاد إلى مرحلة الدستور الدائم سيكون تجديداً لعمل الدولة، وتطويراً لهياكلها، وتقدماً لابد منه على صعيد التخطيط للمستقبل أيضاً، ونقلة حقيقية بالعمل الوطني في البلاد عموماً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"