عادي

ألمانيا بعد ميركل.. قيادة ثلاثية

22:18 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب - المحرر السياسي:
تعيش ألمانيا هذه الأيام مخاض التغيير الذي تفرضه جدلية حركة التاريخ، وتدفع نحوه مطالب جيل الشباب الذي يرى في قيادة أنجيلا ميركل على مدى ستة عشر عاماً، عصراً ذهبياً ينبغي عدم التفريط في منجزاته من خلال التركيز على استمرارية قيادة ألمانيا للكتلة الأوروبية بضمان تبني روح العصر، وما تفرضه من تغيير لا مفر منه في عدد من القضايا وعلى رأسها قضية التغيرات المناخية.

انطلاقاً من هذه المسلمات، وبناء على ما أسفرت عنه الانتخابات البرلمانية الأخيرة؛ حيث لم يتمكن أي من الحزبين الرئيسيين من الفوز بعدد من المقاعد التي تؤهل أياً منهما لتشكيل حكومة، بينما دخل الحزب الديمقراطي الاشتراكي الفائز بأعلى الأصوات، في ائتلاف مع الليبرالي الحر، وحزب الخضر، القوة السياسية الصاعدة على مسرح السياسة الألمانية، في مفاوضات ماراثونية لتشكيل ائتلاف ثلاثي، انتهت أخيراً إلى اتفاق أولي لا بد أن يحظى بموافقة القواعد الحزبية لكل حزب من الأحزاب الثلاثة، قبل أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي.

«إشارة المرور»

وقد باشر قادة الأحزاب الثلاثة عرض تفاصيل برنامج الائتلاف المقبل الذي منح الاشتراكي أولاف شولتز، فرصة قيادة ألمانيا مستشاراً بعد ميركل.

وجاء الإعلان عن الاتفاق بعدما قال حزب الخضر إن تقدماً حصل في المفاوضات بشأن ملف البيئة في المشاورات الجارية مع شريكيه، ما أسفر عن أكبر كتلة برلمانية في البرلمان الألماني الجديد. وسوف تكون التشكيلة الجديدة أول حكومة مكونة من ثلاثة أحزاب تتولى السلطة في ألمانيا منذ خمسينات القرن الماضي.

وقد أطلقت وسائل إعلام ألمانية على التحالف الجديد اسم تحالف «إشارة المرور» نظراً لأن ألوان رايات الأحزاب المشاركة فيه تنطبق مع ألوان إشارة المرور.

وبغض النظر عن التسمية وطبيعة التحالف وما تنطوي عليه نوايا كل طرف فيه، فهو مطالب بمعالجة أزمات كبرى على رأسها تداعيات كورونا على الاقتصاد الألماني وعلى الحياة اليومية للشعب الألماني الذي ضاق ذرعاً بالقيود التي فرضها الوباء على الحركة والنشاط الاجتماعي ومصالح الفئات الأدنى من التركيبة السكانية. كما أن موجة جديدة من الجائحة تهدد بالإغلاق التام مجدداً في ألمانيا وسط ارتفاع عدد الإصابات إلى أرقام قياسية هي الأعلى على مستوى القارة الأوروبية.

أزمة الهجرة وحماية الحدود

وعلى جدول أعمال الائتلاف أيضاً قضية الإخفاق الأوروبي في معالجة أزمة الهجرة وحماية الحدود، خاصة في ظل التطورات التي شهدتها الحدود البولندية مع بيلاروسيا وبوادر الأزمة السياسية مع موسكو التي كانت المستشارة ميركل مفتاح الأمان فيها.

لكن القضية الأكثر إلحاحاً اليوم هي المسارعة لتنفيذ إجراءات حماية المناخ بعد القرارات التي صدرت عن مؤتمر «كوب26» والالتزامات التي قطعتها برلين على نفسها في إطار التعهدات الدولية.

وقد ولد الاتفاق بعد حوالي 40 يوماً من المفاوضات كانت أهم نقاط الخلاف فيها حول ملف المناخ وتوزيع الحقائب الوزارية. وفيما يتعلق بالمناخ تتفق الأحزاب الثلاثة على إنهاء استخدام الفحم بحلول 2030، أي قبل ثماني سنوات من الموعد المقرر لذلك. وتهدف الأحزاب الثلاثة إلى أن يكون مصدر 80 في المئة من الكهرباء من الطاقة المتجددة وأن تكون هناك 15 مليون سيارة كهربائية على شوارع ألمانيا بحلول عام 2030.

وكتبت مسودة الاتفاق بشكل لبى برنامج الحزب الليبرالي الحر فيما يتعلق بالإصلاح الضريبي؛ حيث اتفقت الأطراف على عدم رفع نسب الضرائب على أصحاب المداخيل المرتفعة، كما وعد بذلك الحزب في برنامجه الانتخابي. أما فيما يتعلق بالحد الأدنى لمستويات الأجور، فقد فرض الاشتراكي برنامجه؛ حيث يرفعها بداية من السنة الأولى لعمل الحكومة إلى 12 يورو للساعة. وفيما يتعلق بحقوق التصويت تم الاتفاق على خفض سن التصويت من 18 إلى 16 عاماً.

واستعرض القسم الأكبر من الاتفاقية حاجة ألمانيا إلى صحوة رقمية شاملة من أجل ازدهار الناس وحريتهم ومشاركتهم الاجتماعية واستدامتهم.

وأقرت الاتفاقية بوجوب تحقيق قفزة نوعية في مجال الرقمنة يتضمن نشر إمدادات على مستوى البلاد من الألياف البصرية وأحدث معايير الاتصالات المتنقلة وزيادة الخدمات الرقمية في دوائر الدولة.

وحول موضوع الهجرة، اتفقت الأحزاب الثلاثة على الإسراع بإجراءات اللجوء وإجراءات لمّ شمل الأسر، مع توفير طرق هجرة قانونية وآمنة إلى ألمانيا.

الإصلاحات الداخلية

أما الإصلاحات الاقتصادية والإدارية على الصعيد الداخلي، فتبقى المدخل الأهم للحفاظ على الدور الريادي الألماني على مستوى الاتحاد الأوروبي لدولة تملك رابع أكبر اقتصاد في العالم، وتحرص على ألاّ تدخل في منافسة سلبية مع فرنسا الطامحة إلى تزعم الاتحاد عبر دعوات لتشكيل قوى الردع العسكري والاستقلال الاستراتيجي ونحوها.

ويعتبر الاقتصاد الألماني أكبر اقتصاد في أوروبا، وبالتالي، فإن القرارات التي تُتخذ من قبل الحكومة الجديدة سيكون لها تأثير كبير على جيرانها. وقد ركزت الاتفاقية أيضاً على سيادة القانون والدبلوماسية، مع خطة لاستثمار ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في مبادرات العمل على المستوى العالمي.

وقال شولتز، في مؤتمر صحفي: إن «سيادة أوروبا هي حجر الأساس في سياستنا الخارجية». وأكد صداقة ألمانيا مع فرنسا والشراكة مع الولايات المتحدة.

وبينما عرضت قيادة حزب الخضر على أعضائها التصويت عبر الإنترنت على مسودة الائتلاف وكذلك على التشكيلة المشاركة في الحكومة، اختار الاشتراكي الديمقراطي والليبرالي الحر الطريق الكلاسيكي في عقد اجتماع لأعضائه بهدف التصويت المباشر.

ومن المفترض أن يتم لاحقاً الكشف عن هوية المسؤولين الذي سيتولون مهمة قيادة الوزارات المهمة. وما بات متداولاً بشكل لا يقبل الشك، أن أولاف شولتز سيعين مستشاراً، وكريستيان ليندر زعيم الليبراليين كوزير للمالية، بينما تم ترشيح زعيمة حزب الخضر، أنالينا بيربوك، لحقيبة الخارجية، ما يزيد من فرص تعزيز الدور القيادي لألمانيا على الصعيد الدولي في مكافحة تغير المناخ.

ويبقى الأهم في مشروع الاتفاق قابليته للصمود عند التنفيذ الفعلي الذي لا بد أن يصطدم بالتناقضات السياسية التي تهددها رؤية الأحزاب السياسية المشاركة فيه، فضلاً عن الضغوط الخارجية التي تفرضها مسؤولية ألمانيا كدولة قيادية على مستوى القارة، وعلاقاتها مع حلف الناتو وتطورات الموقف مع روسيا التي طالما حرصت ميركل على التهدئة معها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"