الثقافة خلال الخمسين

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

لأسباب إجرائية سيجد الباحث في التاريخ الثقافي للإمارات نفسه محمولاً على تقسيمه إلى مرحلتين، ما قبل قيام دولة الاتحاد وما بعدها، دون أن ينفي أن هذا التاريخ هو واحد، والتالي فيه مبني على منجز السابق، وما كان يمكن للأدب والثقافة في الإمارات أن يبلغا ما هما عليه اليوم، لولا أنهما اتكآ على ما عرفته مرحلة ما قبل قيام الدولة من أشكال تعبير أدبي وفني، لتتطور لاحقاً، وفق المعطيات الجديدة.
كثيرة هي الدراسات التي كتبت عن رموز الشعر؛ الفصيح منه والنبطي في الإمارات قبل قيام الدولة، وكذلك كثير ما كُتب عن سير رموز الأدب والتعليم الذين أدركوا مبكراً ضرورة الانفتاح على الجديد في دنيا الأدب والثقافة في العمق العربي، في مصر وبلاد الشام والعراق، وبذلوا من الجهود الكثير للاطلاع على الدوريات الأدبية والثقافية الصادرة في تلك البلدان، وفي مدّ جسور التواصل مع القامات الأدبية والفكرية الداعية للإصلاح والتجديد في العالم العربي، أكانوا في بلدانه القريبة منهم أو حتى البعيدة، بما في ذلك المغرب العربي، ومن ذلك زيارة المفكر التونسي المجدد عبد العزيز الثعالبي لدبي في بواكير القرن العشرين.
وكل هذا يظهر لنا أن للتجديد الثقافي والأدبي في الإمارات جذوراً سابقة، فجاء قيام دولة الاتحاد، قبل خمسين عاماً، ليعطي دفعة نوعية قوية له، ويفتح له آفاقاً غير مسبوقة، لتظهر أجناس أدبية جديدة، ربما كان بعضها قد برز بصورة جنينية قبل ذلك، ولكن سرعان ما عرفت الدولة الفتية عدداً مهماً من المبدعين الشباب، من الجنسين، من كتّاب القصة القصيرة والقصيدة الجديدة ولاحقاً النص المسرحي والرواية، بحيث صار بوسعنا الحديث عن جيل جديد مؤسس للنهضة الأدبية والثقافية الحديثة التي ما زالت تتطور بظهور أصوات جديدة من جيل لاحق، يقدّم نتاجات لافتة، ولولا خشيتنا من أن ننسى أحداً من هذه الأصوات لأوردنا الأسماء.
قيام الدولة أدى إلى انبثاق وعي جديد، انعكس في نتاجات هؤلاء المبدعين، ومع تطوّر التعليم واتساع نطاقه وتخرج دفعات متتالية في الجامعات المحلية والخارجية، ظهرت كوادر أكاديمية انشغلت بالبحث العلمي في مختلف العلوم الاجتماعية، وصدرت دراسات لباحثين وباحثات من الإمارات تتناول مظاهر التحوّلات المجتمعية في الدولة، وكذلك في تاريخ الإمارات والمنطقة.
هذه النهضة في الأدب والثقافة والدراسات الاجتماعية وسواها، وثيقة الصلة بتبلور الهوّية الوطنية المشتركة لشعب الإمارات، الذي أصبح تحت مظلة دولة واحدة مزدهرة ومستقرة، وهذا هو أحد شروط النهضة في مختلف مجالاتها، بما في ذلك نهضة الأدب والثقافة والفنون على أنواعها، والبحث العلمي.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"