حكايتي مع الإمارات

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

جميل مطر

صدر التكليف بالسفر إلى الهند. أتحدّث عن التكليف الأول في رحلة العمل الدبلوماسي ورحلتي الأولى خارج إفريقيا. لم تكن الإمارات توحدت، ولا كانت الطائرات العملاقة تهبط في أي إمارة منها للتزود بالوقود، أو المؤن أو جهاز الضيافة. بل ولم تكن القاهرة في ذلك الوقت محطة لطائرات شركة الطيران الهندية، وغيرها من الشركات الكبرى. تعيّن علينا أن ننزل في بيروت ونقضي فيها يومين، أو أكثر، حتى يحين موعد الطائرة التي تقلنا إلى بومباي عن طريق الكويت التي قضينا فيها ليلة.

أذكر جيداً أنني لم أنم تلك الليلة، إذ لم يكن الفندق مزوداً بجهاز للتكييف المركزي، وتصادف في تلك الليلة أن كانت أجهزة الغرف معطلة. كنا في ذلك الحين، كدبلوماسيين، نتمتع بحق استخدام الدرجة الأولى في الطائرات والفنادق. وفي هذه الرحلة لم تفدني بشيء بطاقة الدرجة الأولى باستثناء الجلوس على مقعد وثير وخيارات أفضل في الطعام.

مرّت سنوات غير قليلة، انتقلت في نهايتها من العمل الدبلوماسي إلى العمل البحثي، ومنه إلى دبلوماسية الجامعة العربية، ومنها عائداً إلى البحث والعمل الصحفي. وخلال هذه المرحلة الممتدة إلى يومنا هذا، تغيرت أمور كثيرة. توحدت الإمارات، ولم تعد بالنسبة إليّ محطة مرور فحسب، بل صارت مقصداً لا أغيب عنه إلا فترات قصيرة.

بدأت علاقتي بالإمارات الموحدة برحلة لن أنسى تفاصيلها وغرائبها وأسرارها ما تبقى لي من عمر. يزيد من تعلقي بها أن لا شيء واحداً مهماً ممّا وقع في هذه الرحلة نُشر، أو أذيع في أي مكان بما يستحق من تغطية وتحليل. كانت الإمارات توحدت، وانضمت إلى عضوية الجامعة العربية، ونشبت حرب أكتوبر، وانتهت، مخلفة وراءها عالماً جديداً بكل معنى العبارة. وتغيرت سمعة النفط، وتنافست الصحافة العالمية ومراكز البحوث الكبرى وبعض المراكز العربية الجادة على الاهتمام بمنطقة الخليج.

في غمرة هذه المنافسة الحادة اتصل بي المرحوم محمد حسنين هيكل ليبلغني أن صحيفة إنجليزية كبرى عرضت عليه تأليف كتاب يعرض ويحلّل مغزى ما يحدث في العالم، بخاصة في الجزء العربي منه، وأنه بدوره يعرض مشاركتي له في رحلة استقصائية ندور من خلالها على كل الدول العربية، نقابل الملوك والرؤساء وصنّاع الرأي والباحثين والأكاديميين. ندرس، ونسأل، ونحلّل، ونحاول قراءة المستقبل. وخلال أسابيع الإعداد لرحلة على جولتين استمرت ثلاثة أشهر، حصلنا على مواعيد لقاءات مع أغلب القادة العرب. كانت الإمارات توحدت قبل ثلاثة أو أربعة أعوام. وأذكر أننا قابلنا سفيرها لدى القاهرة والجامعة العربية العزيز المرحوم تريم عمران تريم، ومستشار السفارة الدكتور يوسف الحسن، وقد أحسنا التصرف. وجدنا تحت تصرفنا عند وصولنا الإمارات، وكلانا ينزل بها للمرة الأولى، استعدادات دقيقة لاستقبالنا. التقينا بالشيوخ في بيوتهم، أو في مكاتبهم، لم تكن هناك قصور بالشكل الذي وجدناه في بلاد المغرب والمشرق، بل وفي دول خليجية أخرى.

انبهرت بالبساطة. بساطة في العيش، وفي إدارة شؤون الإمارة، وفي فهم السياسة الإقليمية والدولية. انبهرت بمفاهيم محلية عن الثروة والوطن والضرائب والأمن والقبيلة الحاكمة وتحالفاتها البسيطة، شكلاً، والمعقدة تنظيماً وموضوعاً. إن نسيت فلن أنسى حاكم إمارة استقبلنا في مكتب لا شيء فيه يوحي بالثراء، أو رغد الحياة العصرية. أراد تكريمنا فطلب، في تواضع حسدته عليه، إلى معاون له كان يجلس معنا، وليس معنا تماماً، أن يقدم لنا مشروباً. توجه الشاب إلى ركن في الغرفة تكّوم فيه عدد قليل من الصناديق الكرتونية. فتح أحدها وأخرج منه علبتين تحتويان على عصير مانجو من صنع شركة مصرية معروفة. أعاد غلق الصندوق بعناية، وعاد ومعه علبتا العصير ليجلس معنا، وليس معنا.

حاكم آخر ابيّض شعر رأسه ولحيته في حكم إمارته الصغيرة. تحدثنا معه عن تاريخ إمارته وبطولات شعبها ومهارتهم في القتال، وكذلك في التجارة. بالمناسبة سألنا عن حق الإمارة في فرض ضرائب على أهلها الناجحين في إدارة شؤونهم التجارية، وكيف يمكن لحاكم أو سلطة إدارية محاسبة هؤلاء التجار على عائد نشاطهم مقابل ما يتمتعون به من استقرار وخدمات أمنية.

أحمد الله أني رأيت قيمة البساطة، قيمة كادت تندثر ليس في مجتمعات الخليج فقط، بل وفي بلاد جديدة عدة. رأيتها تتعايش مع أفكار وافدة وعقائد سياسية متباينة. كنت هناك شاهداً من الشهود المبكرين على قيام صرح عصري وعظيم أجلّ الذين أقاموه وأقدّر تضحياتهم، أتحدّث عن «دار الخليج» والمؤسَّسين الراحلَين تريم وعبد الله عمران، ومن وقفوا معهما. عشت بفضل صلتي بهذه الدار وبأهلها، أتابع الاتحاد يتطور سنة بعد سنة. تغير فيه وفينا الكثير. ولم يعد فيه مكان للبساطة، ولم يعد فينا طاقة للمتابعة. نعيش لنتذكّر أفراداً أحبّاء وأعزاء، وتجربة صنع دولة في مجتمعات أبهرتنا بساطتها.

 

عن الكاتب

دبلوماسي مصري سابق وكاتب متخصص بقضايا العلاقات الدولية. اشترك في تأسيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. وأنشأ في القاهرة المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل. عضو في مجلس تحرير جريدة الشروق المصرية ومشرف على صفحة الرأي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"