خمسون عاماً من التغيير

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

عندما نقرأ تجارب التغيير الناجحة في بعض دول العالم، لا يمكننا أن نغفل تجربة دولة الإمارات التي استطاعت أن تنتقل في ظرف خمسة عقود فقط، إلى مصاف الدول المتقدمة، وأن يرتقي شعبها إلى احتلال المراتب الأولى في تصنيف المجتمعات الأكثر سعادة.

يقرأ الباحثون العرب تجارب النهضة والتغيير في اليابان وكوريا الجنوبية، وفي سنغافورة وماليزيا، وكذلك تجربة الصين الحديثة، من زاوية نجاح هذه الدول في تغيير المجتمع والدولة، والارتقاء بها من التخلف إلى التقدم والحداثة في ظرف عقود قليلة. ولكن نعتقد أن على هؤلاء الباحثين أن يغيّروا بوصلتهم البحثية تجاه دول أخرى باتت اليوم مثالاً يحتذى في التقدم، ومن بين هذه التجارب الناجحة، دولة الإمارات العربية المتحدة التي استطاعت أن تكسب معركة التغيير النّاجع والناجح، بفضل خيارات سياسية واقتصادية واجتماعية أسّس لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وسار عليها من بعده قادة الدّولة.

إنّ بلوغ الدولة هذه المرحلة من التقدم والازدهار، لم يكن أمراً سهل المنال، بل كان نتيجة تضحيات جسيمة، ونتيجة عمل دؤوب خلال العقود الخمسة الماضية. ويمكن أن نقرأ تجربة التغيير هذه ضمن منطلقات وأنساق فكرية مهدت للتحول المطّرد في مختلف المجالات، وأدّت في نهاية المطاف إلى أن تكون هذه الدولة العربية حلماً لشعوب العالم، بل وأن تكون نقطة جذب لكبرى الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في العالم، بل والأهم من ذلك، باتت دولة الإمارات قبلة الباحثين والمفكرين والمبدعين الذين يرومون الاستمرار في مساراتهم الإبداعية.

إنّ قراءة تجربة التغيير في المثال الإماراتي، تفرض علينا، نحن الباحثين، الكشف عن «سرّ البيض»، كما يقال، الذي أدى إلى أن تكون هذه الدولة مثالاً يحتذى في التقدم والتطور. وعند التعمق في البحث سنجد مجموعة من العوامل، أوالشروط التي جعلت حركة التغيير تنجح في نقل الإمارات العربية المتحدة إلى مصاف الدول المتقدمة.

العامل الأول في نجاح معركة التغيير هو العامل السياسي، فلا أحد ينكر أن الاستقرار السياسي في دولة الإمارات، قد أدّى إلى استقرار الدولة وشروعها في رسم السياسات الإصلاحية التي شملت جميع المجالات، بل ومكّن من التحول من التخطيط قصير المدى إلى الاستشراف،وبالتالي اكتساب «العقلية المستقبلية» التي ساهمت في وضع سياسات بعيدة المدى، قرأت الواقع وانطلقت منه، فاستطاع التغيير أن يلبيّ حاجيات الواقع.

العامل الثاني، اجتماعي في الأساس، وهو أحد أهم العناصر المساهمة في التغيير الناجح. فمنذ توحيد الإمارات السّبع في دولة واحدة، تم العمل على دمج سكان الإمارات ضمن مجتمع موحّد، على أسس قانونية تميزت بالعدالة الاجتماعية بين أبناء البلد الواحد.

العامل الثالث، يمكن قراءته في ذلك التوجه الثقافي والعلمي والديني الذي سارت عليه الإمارات في مسيرة الخمسين سنة، والذي مكّنها من اكتساب ثقافة دينية منفتحة تقبل التعدد والاختلاف، عكس بعض المجتمعات الأخرى التي تعاني من تقسيم طائفي، ومن انغلاق جعلها تفشل في إعطاء صورة حقيقية عن المعطى الديني في جوهره، فصار العمل و الابتكار والإبداع قيماً ثقافية تتميز بها الإمارات، وهذا ما جعلها تنخرط في السباق التكنولوجي والعلمي، فاستقطبت العلماء والمبدعين، وراهنت على شبابها المتعلم، واستفادت من الخبرات الأجنبية في إطار تعاون مشترك أفضى إلى أن تكون الإمارات قطباً علمياً في الخليج العربي، يعلو نجمه من سنة إلى أخرى.

إنّ تجربة التغيير الإماراتية تحتاج إلى بحث معمّق ودراسات، حتى يمكن أن تستفيد منها الشعوب العربية، لأن النهضة، أو التقدم ليس حكراً على الشعوب غير العربية، فالمواطن العربي قادر على صنع المعجزات عندما تتوفر له الشروط اللازمة، وهذا ما نجحت فيه دولة الإمارات.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"