عادي

مستقبل المهارات في زحمة التكنولوجيا

21:11 مساء
قراءة 5 دقائق

إعداد: هشام مدخنة
لا تزال عناوين الأخبار التي تتحدث عن فجوة المهارات مستمرة، «50% من الموظفين بحاجة إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2025»، «طوارئ المهارات الرقمية»، «أرباب العمل يركزون على المهارات بدلاً من التعليم»، «لا تتخلف عن الركب في المستقبل الرقمي»، وغيرها الكثير من العناوين المثيرة للقلق في زمن جُنّت فيه التكنولوجيا بتسارع لم يسبق له نظير.

وأصبح هناك عدم تطابق صارخ في المهارات كل يوم وفي معظم القطاعات، تفاوت يأمل أولياء الأمور بحذر أن تُسهم المدارس في إزالته.

حظيت إحدى منشورات «لينكد إن» الشهر الماضي حول مستقبل المهارات من منظور تقني باهتمام كبير من مجموعة من الأطفال في سن ال 13 عاماً، طرحوا هذه الأسئلة الثلاثة: هل لديك عملات البيتكوين؟ هل أنت ملياردير؟ هل ستحل الروبوتات محل البشر؟

عكست الأسئلة صورة الثقافة الشعبية لصناعة التكنولوجيا في وادي السيليكون. لكنها كشفت أيضاً الحاجة الماسة إلى مساعدة جيل فضولي للغاية، مدرك تماماً، وطموح، لسد الفجوة بين الضجيج والخوف والواقع.

حريٌّ بنا التفكير في كيفية توجيه هذا الجيل اللامع والمتعطش للمعرفة نحو المستقبل. فهل نبذل قصارى جهدنا لإعدادهم للمشهد القادم سريع التغير؟ هل نساعدهم على بناء المهارات المناسبة للنجاح في عالم غير معروف إلى حد كبير؟

هي أسئلة حاسمة وعاجلة يجب طرحها، رغم أننا لا نحيط بعد بكل إجاباتها. ولكن ربما نحن بحاجة إلى تحول واسع في طريقة التفكير، والتركيز أكثر على تحديات المستقبل بدلاً من إنجازاتنا في الماضي، نحن بحاجة إلى مراجعة النهج الحالي في تنمية المهارات وصقلها للتحضير للمرحلة القادمة.

دعونا نلقي نظرة على السيناريو المقبل، فوفقاً لتقرير مستقبل الوظائف 2020 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، قد يتم تعويض 85 مليون وظيفة بشرية بالآلات بحلول عام 2025، كما أنه من المحتمل جداً خلق 97 مليون منصب جديد أكثر تكيفاً مع التقسيمات الجديدة للعمل بين البشر والآلات والخوارزميات، في غضون ثلاث سنوات إضافية عن التاريخ السابق. والحقيقة هي أن ما يقرب من نصف الوظائف يواجه بالفعل أتمتة محتملة، و65% من الأطفال في المدرسة اليوم سينتهي بهم الأمر بالعمل في مهام وظيفية جديدة كلياً، ليست موجودة اليوم. صحيح أن الوظائف الحالية قد لا تختفي بالمطلق، لكنها ستكون مختلفة بكل تأكيد، فالخدمات المصرفية على سبيل المثال ستصبح افتراضية بشكل شبه كامل، في حين ستظل مهن أساسية مثل الطب والهندسة موجودة ولكن مع طابع تقني شامل يرسم أبعادها العامة.

علاوة على ذلك، فإن 84% من أرباب العمل مهيؤون بسرعة لرقمنة عملياتهم، وأفاد 94% من قادة الأعمال بأنهم يتوقعون من الموظفين اكتساب مهارات جديدة في الوظيفة. وفي الواقع، تستثمر الشركات في جميع أنحاء العالم مليارات الدولارات لإعادة تشكيل قوتها العاملة، فيما يُطلق عليه «اقتصاد تحسين المهارات». وبات واضحاً أن مستقبل العمل قد أصبح «حاضراً» أكثر من كونه «مستقبلاً»، ووصل بالفعل لغالبية كبيرة من شرائح العمال.

«ماذا» و«كيف»

في خضمّ ذلك، يتعرض نظامنا التعليمي لخطر التخلف عن الركب بسبب وتيرة التغيير المذهلة هذه. وإذا كان الطلاب المراهقون يتساءلون عن العملة المشفرة، فهل يجب أن نُدرّسهم تقنيات ال «بلوك تشين»؟ وإذا كانوا فضوليين بشأن الروبوتات، فإلى أي مدى يجب فتح الأبواب أمامهم لدخول عوالم الأتمتة، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي؟

لقد حان الوقت الآن للتعمق في أسئلة «ماذا» و«كيف» للتعليم. فأحد الدروس المهمة التي علمتنا إياها الجائحة، هي أن مؤسساتنا التعليمية وصانعي السياسات باستطاعتهم، لو شاؤوا، التحرك بسرعة كبيرة استجابة للأزمة. فلماذا ننتظر الأزمة؟ ولا أحد منا ينكر أننا بحاجة إلى التغيير فعلاً. حان الوقت لتحرير عقولنا في مواجهة الفرص والتحديات المقبلة، وكيف يجب أن يستجيب نظام التعليم لإعداد الطلاب بالشكل الصحيح. وعليه نضع أمامكم ثلاثة تحولات رئيسية يمكن للمعلمين من خلالها إعداد الطلاب لمستقبل العمل

1. تعديل المنهج القديم

هو ليس تغييراً بسيطاً في المناهج الدراسية من خطوة واحدة، أو موضوعاً إضافياً في علوم الكمبيوتر، ولكنه رحلة مستمرة في تحويل العمليات والتجارب وحتى الأهداف، وفتح الأبواب على نطاق أوسع للتكنولوجيا، بطريقة مبتكرة لا تنسف التركيز على التاريخ أو الفنون. إنه لأمر رائع رؤية مناهج الثانوية الدولية تقدم مجموعة متنوعة من الخيارات مثل فلسفة الدين والأخلاق، والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، والتاريخ القديم والحضارة الكلاسيكية، وحتى لغات مثل اللاتينية. ونحن هنا لا نشكك في الدور الذي تلعبه هذه المناهج في تنمية الطالب. ولكن، بالنظر إلى الأمام، نحتاج إلى موازنة هذا مع التركيز الحاد، وبنفس القدر وربما أكثر، على المستقبل، حيث يلعب محو الأمية الرقمية وعلوم البيانات وتقنيات العصر الجديد، دوراً رئيسياً في معايير النجاح، وتصبح السحابة والذكاء الاصطناعي جزءاً جوهرياً من تقنيات التعلم.

لا يدور الجدل حول الخلاف بين الموضوعات. يتعلق الأمر ببناء مهارات الاستفسار والتحليل، يتعلق الأمر بكثافة التكنولوجيا والاستثمار فيها والسماح لها باختراق الطيف الكامل لرحلة التعليم، وبإعادة تصور المناهج الدراسية وإعادة تقييم المعرفة الأساسية والكفاءات للمستقبل.

2. إعادة تشكيل دور المعلم

يحتاج معلمونا إلى مزيد من الشجاعة للانضمام إلى الأتمتة وعالم الروبوتات والخوارزميات واحتضانها، وإلى قيادة التغيير في الفصل الدراسي. كما يحتاجون إلى الانتقال من كونهم مجرد «الحكيم على المسرح»، أو «المرشد الحيادي»، ليصبحوا «بؤرة الحدث»، معلمين مشاركين ومتعاونين مع طلابهم في كل ما يجري حولهم.

نحتاج أيضاً إلى كسر الحدود المصطنعة داخل المناهج الدراسية والمساعدة على إيجاد حلول لمشاكل العالم الحقيقي، ويمكن اقتفاء أثر المنهج التعليمي متعدد التخصصات الذي اعتمدته فنلندا في مدارسها الوطنية ووفق مهارات القرن الواحد والعشرين، وسلك ذات الطريق.

3. الانضمام للركب

تسارعت وتيرة تسليم المراحل العمرية بين الأجيال، واختصرت حقباً زمنية مدفوعة بسرعة الابتكار والتغيير في عوالم التكنولوجيا. وبتنا نرى ذلك في كل مكان حولنا. وكما قال عالم المستقبل الشهير والباحث في الذكاء الاصطناعي رايموند كرزويل، «هناك نمو هائل في معدل النمو المتسارع أساساً».

أطفالنا اليوم جائعون لهذا التغيير، وهو ليس بالأمر المستغرب، فوفقاً لتقرير وحدة المعلومات الاقتصادية «قيادة أجندة المهارات»، يتفق 58% من المعلمين على أن طلابهم غالباً ما يكون لديهم فهم أكثر تقدماً للتكنولوجيا منهم.

طلابنا في المسار السريع بالفعل. ونحن بحاجة للانضمام إليهم هناك ومساعدتهم على تطوير المهارات التي يحتاجون إليها.

نحن مسؤولون عن إنشاء إطار للنجاح في مستقبل نقف أمام عتبته فقط، ولم تُسبر كافة خباياه بعد. وكما ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: «في عصر التحول الرقمي وظهور البيانات الضخمة، أصبح محو الأمية الرقمية وتخزين البيانات ضروريين بشكل متزايد». ولمعالجة هذه الأساسيات، نحتاج إلى نهج قائم على الهدف، وتهيئة التعليم لإعادة تشكيل المستقبل. وربما تكون الخطوة الأولى، هي إقناع قادة يبلغون من العمر 50 عاماً بأنهم لا يعرفون كل شيء.

الصورة

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"