عادي

الحب.. محرك التاريخ

22:33 مساء
قراءة 3 دقائق
2102

الشارقة: علاء الدين محمود

ظل موضوع «الحب» مطروحاً على الدوام، وقد ارتبط كثيراً عند الناس بالشعر والأدب والفن فتلك هي المجالات التي عبرت عن الحب كمشاعر وعاطفة إنسانية، لذلك نجد أن الكثير من الباحثين تناولوا تلك القضية في الأدب، وهناك من كتب عن قصص العشق والهوى، والحب في الحياة وفي التاريخ، وفيهم من تحدث عن الغرام عند الفلاسفة والمفكرين والعلماء وكيف تعاملوا معه، بل إن بعض المفكرين رفض أن يتعامل مع العشق كمشاعر وعواطف فقط، وأعلنوا أن الحب فكرة، بل وفلسفة، وأخذوا يبحثون عن تأسيس نظري لتلك الفرضية.

لكن هل من الممكن أن يكون للحب تاريخ؟ وعبر هذه الزاوية المختلفة والفريدة في تناول موضوع العشق، يأخذنا الكاتب والباحث والمؤرخ الفرنسي سيناك مونكو «1814 1871»، في كتابه «تاريخ الحب»، ترجمة د. محمد الرحموني، إلى عوالم جديدة ربما لا تكون مطروقة من قبل، ذلك لأن الرجل قد بذل جهداً بحثياً كبيراً متتبعاً أثر الحب والهوى في التواريخ والحضارات والسير القديمة، حتى عصور حديثة، متناولاً تاريخ الحب في أوروبا استناداً إلى تاريخها السياسي والحضاري، والكاتب يقدم العديد من المقاربات بصورة مبتكرة وغير تقليدية، فهو يلعب على فكرة قد تبدو أيضاً غريبة وتنطوي على شيء من المفارقة، حيث تناول العلاقة بين الحب وما شهدته أوروبا وعرفته من تحولات سياسية ودينية واجتماعية وأدبية، ليقوده ذلك الأمر إلى أن تاريخ العشق هو سيرة المرأة نفسها عبر العصور والأزمان، هو تاريخ تمردها وتضحياتها وصمودها وانتقامها وبحثها المستمر عن الانعتاق من القيود التي تكبلها.

ومن الممكن جداً أن نصف الكتاب بأنه يسرد تحولات المرأة، ودورها الكبير في الحياة في كل العصور وفي الحب نفسه، إذ إن المؤلف يقدم فكرة شديدة العمق، وقابلة في ذات الوقت للنقاش المستفيض، فهو يرى بما أن المرأة هي رمز الحب في التاريخ؛ فإن ذلك يعني أن الحب هو محرك التاريخ، وذلك أمر قد يختلف معه الفلاسفة والمفكرون تحديداً، خاصة الذين جعلوا للتاريخ محركات كثيرة ذات طابع اقتصادي واجتماعي وسياسي، ليس من بينها الحب، وهنا تكمن فرادة الكتاب ومتعته في ذات الوقت، لكونه يغوص في أعماق فكرة مختلفة، ويقدمها بصورة مدعومة ومؤسسة تستند إلى قراءة مغايرة للتاريخ والمجتمع وتستدعي قضية الحب في العصور القديمة، مروراً بالعصر الوسيط وحتى القرن الثامن عشر.

يرى المؤلف أن الأمم تنقسم في كل العصور إلى قسمين كبيرين سياسياً وأخلاقياً، فنجد من جهة الشعوب المستسلمة للفساد والإسراف، وهي المجتمعات المهزومة، ونجد من جهة أخرى الشعوب القوية التي تؤسس مجدها على صفاء الحب وعلى الشجاعة وعلى الإخلاص والصبر، هذه الشعوب هي التي تزدهر لأنها قد تمثلت قيماً كثيرة وعواطف إنسانية على رأسها الحب، والكتاب بذلك يعلن عن راهنية ومعاصرة فكرته وموضوعه، فالعالم اليوم، والذي يعيش في حالة من التشظي والانقسام بفعل الاختلاف والحروب والصراعات، بحاجة إلى تغليب فعل الحب بما يتضمنه من قيم وأخلاق إنسانية سامية شديدة الأهمية مثل التسامح والسلام والخير والجمال.

يتوقف الكاتب عند محطات كثيرة، ويقدم صوراً في غاية الألق والجمال، وتجوالاً ماتعاً في التاريخ ليلقي الضوء على الحياة الاجتماعية في كل عصر وأثر تلك التعويذة السحرية فيها؛ وهي المتمثلة في الحب، والذي استطاع أن يهدم البنى العقائدية والفكرية القديمة، فقد ساهم، على سبيل المثال، في القضاء على الوثنية وساعد على انتشار المسيحية في العصور القديمة، ونقل غزاة أوروبا البرابرة من التوحش إلى الحضارة، أما عند العرب فقد أحدث ثورة أخلاقية واجتماعية وأدبية، عبر الحب العفيف الأنيق والراقي الذي أسس له الإسلام، وكان لمسلمي الأندلس دور كبير في انتشار الحب في أوروبا، وفي الغرب بصورة عامة، فقد جسر الهوى الفجوة السحيقة بين الطبقات العليا «النبلاء والبرجوازية»، وبين عامة الشعب، فالحب لا يعرف حدوداً ولا يعترف بتلك التقسيمات الطبقية بين الناس.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"