الإمارات والأقانيم الثلاثة

00:10 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد نورالدين

في عام 1968 وبعد سنتين من توليه إمارة أبوظبي، مد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يده إلى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ليتقدما معاً في مسيرة إنشاء دولة واحدة موحدة. وبعزيمة الواثق والمؤمن كان مسار التوحيد يتقدم بخطى ثابتة ليضم هذه المرة خمس إمارات أخرى هي الشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين والفجيرة، ليشكلوا معاً اتحاداً أطلقوا عليه اسم «الإمارات العربية المتحدة».

كان ذلك في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1971، أي منذ خمسين عاماً. وعلى امتداد هذه السنين الطوال كان الاتحاد يزداد صلابة وقوة بتنسيق كامل بين مختلف مؤسساته السياسية والأمنية والاقتصادية، مع الخصوصية الكاملة لكل إمارة في شؤونها الداخلية.

بَنَت الإمارات بنيانها على رمال الصحراء المترامية عند محاذاة ساحل الخليج العربي. ومن عادة القصور المبنية على الرمال أن تنجرف وتترنح عند أول بل أصغر موجة بحرية. لكن الدول عندما تُبنى بالإيمان والعزيمة وتواكب بهمم استثنائية، لا تتكسر عند أعتى الموجات والعواصف لأن البناء يكون عميقاً في النفوس قبل أن يكون في مساحة جغرافية رملية كانت أو صخرية.

ودائماً ما كان يقال إن الذي نفسه محتلة من داخلها لا يمكن أن يكون حراً ومستقلاً أبداً ولو بنى منزله على أقوى الصخور.

لقد أدرك أبناء الإمارات أن النفس القوية في صلب التكوين. فلم ينجرفوا إلى غرور الثروات التي هبت على أرضهم وجعلت منهم أحد الشعوب الأكثر غنى في العالم؛ بل استعانوا بعقل راجح ليخوضوا جميعاً واحدة من أنجح التجارب الوحدوية العربية، وإحدى انجح التجارب التنموية في العالم.

فما الذي يقنع إنساناً نام في عام 1971 واستفاق في عام 2021 على أن الذي يراه بأم العين هو حقيقة وليس وهماً؟ وأن تجربة التنمية في أبوظبي ودبي وسائر الإمارات هي من صنع أياد آمنت بقدراتها العقلية والعلمية والمادية في صنع ما يسمى فعلاً لا قولاً معجزات الصحراء؟

لقد تحولت تجارب التنمية في الإمارات العربية المتحدة إلى نموذج يُحتذى يقارع أهم المدن الحديثة في العالم. ولا يمكن نسب ذلك فقط إلى المال، لا شك أن المال كان عنصراً رئيسياً ولكنه ليس الوحيد. فمن دون تلك الجهود الجبارة للعقول الجديدة التي اختارت المستقبل على الماضي السحيق وسخرت كل الجهود لبناء دولة حديثة، ما كان للمال أن يكون سوى ثقب للهدر والفساد.

لم تهتم الإمارات العربية المتحدة وقادتها على التوالي، فقط بشأنها الداخلي؛ بل كان مؤسسوها نموذجاً للعمل العروبي المشترك. وما كان من خلافات وانقسامات بين أبناء العروبة الواحدة كان حكام الإمارات يتصدون لها في سياسات خارجية رشيدة وحكيمة اتصف بها الشيخ زايد وشركاؤه في بقية الإمارات. فعمل دائماً على درء الانقسامات وعلى محاولة إبقاء العرب صفاً واحداً متضامناً متنقلاً بين هذه العاصمة أو تلك من دون كلل أو ملل.

وإذا كانت العوامل الخارجية القاهرة فعلت فعلها المقيت فإن روح التواصل والتضامن تبقى إحدى أهم الميزات التي طبعت سيرة المغفور له الشيخ زايد وسيرة خلفائه الذين ساروا على نهجه الحكيم.

إن روح التواصل والشعور بالشراكة والأخوة تبدو اليوم أقرب ما يكون الوطن العربي بحاجة إليها ولا سيما في ظل ما شهدناه سابقاً من فشل للتجارب الوحدوية المختلفة، وما نشهده من خلافات الإخوة؛ بل عداواتهم. فهاهو السودان قد تقسّم وها هو اليمن قد تشرذمت، وها هي سوريا على ما هي عليه من حال، وها هي ليبيا يتناتشها أبناؤها. أما لبنان، من حيث نكتب بحرقة، فهو للأسف متروك لقدره يعاني أرذل مستويات الفقر والانهيار والفساد والتفكك.

في الذكرى الخمسين لعيد اتحاد دولة الإمارات كم نحن بحاجة إلى أقانيم الإمارات الثلاثة: الوحدة الداخلية والتنمية الدؤوبة والتواصل بين أبناء العروبة.

.. فتحية للإمارات، في ذكرى اتحادها الخمسين، بآبائها المؤسسين وشعبها وأقانيمها الثلاثة.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"