شجرة تورجينيف

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

يُعدّ الكاتب إيفان تورجينيف واحداً من أهم أدباء القرن التاسع عشر لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا عامة، فهو الذي عاش فترات طويلة من حياته في بادن بألمانيا وفي باريس، وزار إنجلترا مراراً، حتى أنه مُنح شهادة الدكتوراه من جامعة أوكسفورد، ومات في بوجيفال قرب باريس في 4 سبتمبر/ أيلول 1883.
لكنه يظل ابن روسيا الحاضرة بغزارة وعمق في ما كتبه من قصص وروايات ومسرحيات، ومن أشهر رواياته «الآباء والبنون» التي تناول فيها موضوعاً أثيراً في الوسط الأدبي والثقافي في روسيا القرن التاسع عشر، يمكن إدراجه في خانة السجال حول هوية روسيا في محيطها الأوروبي، بين دعاة التغريب ومن يرون في روسيا خصوصية ثقافية وتاريخية يجب صونها، وإلى هذه الأخيرة بدا تورجينيف منحازاً رغم عيشه الطويل خارج روسيا.
ورغم تحدّره من عائلة من النبلاء ملاك الأراضي، حتى أنه شكا مراراً من سلوك أمه المتسلطة، إلا أن تورجينيف انحاز إلى فقراء الفلاحين كما تبدّى ذلك بوضوح في روايته الأولى: «مذكرات صيّاد»، حيث وصف حياة الفلاحين الروس البائسة في تلك الفترة، وحظيت هذه الرواية بقراءة واسعة في زمنها، ويقال إن بين من قرأوها كان القيصر، وساهمت الرواية، بما تركته من صدى، في إلغاء نظام القنانة في روسيا لاحقاً.
اسم تورجينيف كان محط تداول في وسائل الإعلام الروسية والأجنبية مؤخراً لا بسبب اكتشاف مخطوطة مجهولة له مثلاً، ولا بمناسبة مرور ذكرى يوبيلية لولادته أو وفاته، كما يحدث عادة، وإنما بسبب شجرة بلوط تولى الكاتب زراعتها بنفسه، وعمّرت هذه الشجرة نحو قرنين، وكان مقدراً لها أن تعيش أطول، لولا أن إعصاراً ضرب مقاطعة أوريول التي تقع فيها المحمية المعروفة باسم «سباسكوي – لوتوفينوفو»، والتي تحمل اسم تورجينيف وتعدّ متحفاً خاصاً به، اقتلع شجرة تورجينيف التي كانت محط اهتمام الزوار ومثار شغفهم.
رئيس المتحف ومدير المحمية، سيرجي ستوبين قال في رثاء الشجرة: لكل من يحب محمية «سباسكوي» وعزبة الكاتب تورجينيف، وبالنسبة لموظفي المتحف كلهم، وبالنسبة لي شخصياً، هذه خسارة لا يمكن تعويضها، ولا يزال من الصعب إدراكها. ولم يكن البلوط الذي زرعه إيفان تورجينيف مجرد عامل طبيعي يلفت أنظار من يرتاد العزبة والمحمية فحسب بل كان رمزاً حياً لحب الوطن الأم.
الأمم المتحضرة تحتفي برموزها، حتى من خلال أدق التفاصيل وأكثرها رهافة التي تبدو بسيطة وعادية في أعين آخرين، فيما لا تتورع الأمم التي اجتاحتها موجات الجهل والتطرف، من تدمير حتى التماثيل التي تذكر بمن صنعوا مجدها.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"