أصلحوا ديمقراطيتكم ثم اعطوا الدروس

00:04 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

دعوة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى مؤتمر دولي عن الديمقراطية تستدعي طرح أسئلة على من سيقفون في ذلك الاجتماع كأساتذة ومبشرين، لإلقاء المحاضرات عن ديمقراطيتهم. أما دول الجنوب الأمريكي وآسيا وإفريقيا وبالطبع دول أرض العرب فلن نزعجهم بالأسئلة..
 فعن أية ديمقراطية سيتحدث الرئيس الأمريكي؟ عن أوضاع وحقوق السود والملونين الأمريكيين الذين لم يتأمّن لهم حق التصويت الحر غير المزيف في ولايات الجنوب الأمريكي وممارسة حقوقهم المدنية إلا في منتصف الستينات من القرن الماضي، وذلك بعد كفاح مرير وتضحيات جسام، أي بعد أكثر من مئتي سنة على صدور الدستور الأمريكي، أم عن استمرار التعامل الخشن المتوحش من قبل الشرطة الأمريكية مع الملونين، والذي يستطيع الإنسان ذكر العشرات من أشكاله وضحاياه خلال السنتين الماضيتين فقط؟
 هل سيتحدث الرئيس الأمريكي عن نظام المنح المالية الهائلة للذين يخوضون الانتخابات، وذلك من أجل شراء ضمائرهم، وعلى أن يرد هؤلاء الجميل بالوقوف مستقبلاً مع مصالح الأغنياء المتبرعين؟ أم عن تصريح الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور بأن من يحكم أمريكتهم هو الدولة العميقة التابعة للأغنياء والعسكر والمخابرات، أم عن الحقيقة المعروفة بأن الأغلبية الساحقة من مؤسسات الإعلام الأمريكية، والتي لها تأثير هائل على الرأي العام، وبالتالي المسيرة الديمقراطية، تملكها أقلية تبيعها وتبيع من يشتغل فيها لمن يدفع؟.
 هل سيتحدث الرئيس الأمريكي عما فعلته بلاده بالعالم عندما حملت لواء الرأسمالية النيوليبرالية وأبعدت الرأسمالية الديمقراطية الكينزية الكلاسيكية، فقادت إلى تكدس الثروة في يد قلة وإلى ازدياد في نسبة الفقر المدقع عبر العالم كله؟
 هل سيحدثنا الرئيس عن ديمقراطية لا تستطيع أن تتحقق من صدق أكذوبة نشرها الرئيس بوش الابن مع مجموعة صغيرة من أشكاله من مجانين السلطة بشأن العراق، وذلك من أجل الاستيلاء على ثرواته وتدميره لصالح إسرائيل، وتدخل العرب بعد ذلك في الجحيم الذي يعيشون؟
 هل سيحدثنا الرئيس عن الانحياز الأعمى من قبل الديمقراطية الأمريكية لإسرائيل،وحصار مليونين من شعب فلسطين في غزة؟ وتسمح تلك الديمقراطية لرئيس مثل دونالد ترامب أن يقرر إعطاء الجولان السوري لإسرائيل وكأن الجولان ملك خاص من أملاكه؟
 ولن نذكر خطايا ديمقراطية سمحت بإلقاء قنابل نووية على اليابان، وبالقاء قنابل نابالم لحرق غابات فيتنام، وللسماح للاستخبارات الأمريكية لتدمير أية ديمقراطية في جنوب القارة الأمريكية لا تنصاع للهيمنة والاستغلال الأمريكي كما فعلت في جمهورية تشيلي سابقاً وتعمل مع فنزويلا وكوبا حالياً.
 ما علينا إلا أن نحيل الرئيس الأمريكي إلى كتاب «كيف تموت الديمقراطيات»، الذي كتبه الأستاذ في جامعة هارفرد ستيفن لفتسكي وزميله دانيال زبرلات، ويقرأ في صفحة 206 هذه الجملة: «ما عادت أمريكا مثالاً يحتذى في الديمقراطية». إنه حكم قاسٍ وغير مشرف.
 وعليه، فإذا كانت لدى الرئيس الأمريكي طاقة للتعامل مع موضوع الديمقراطية فليستعملها في إصلاح مثالب وخطابات الديمقراطية الأمريكية، وما أكثرها، وبعد ذلك ليأتِ ويلقِ المحاضرات، ويفاخر بدروس لا تطبق في بلاده.
 وأخيراً، لا يحتاج الإنسان إلى الحديث المطول عن الديمقراطية الأوروبية التي لم تُوقف أوروبا عن استعمار ونهب نصف العالم، وخيانة شعاري الأخوّة والمساواة الإنسانية، اللذين طرحهما عصر الأنوار، ولم توقف في الماضي صعود وجرائم الفاشية والنازية، ولا توقف الآن صعود الشعبوية اليمينية العرقية المتطرفة في كثير من بلدانها. وبالتالي فهي أيضاً آخر من يعطي الدروس والمواعظ.
 وأخيراً، لنسأل الذين سيحضرون كمستمعين: متى ستتوقفون عن تلبية كل صفارة تناديكم من أمريكا أو أوروبا؟ أيتها الديمقراطية، كم من جرائم ترتكب باسمك!!.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"