القاهرة: بسيوني الحلواني
شغلت الإعلام المصري و«السوشيال ميديا» خلال الأسابيع الماضية تساؤلات فقهية مهمة وجدلاً اجتماعياً لم يتوقف بعدما أعلن الفنان رشوان توفيق توزع ثروته كاملة على أولاده حال حياته. بما يمثل قناعة لدى بعض الآباء الذين يتصرفون كما تصرف الرجل، وقد لا يحتفظون لأنفسهم بما يكفي حاجتهم في المستقبل ويواجهون بعقوق وتمرد من أولادهم.
لجأنا لعدد من علماء الإسلام ليوضحوا لنا المباح والمحظور في هذا الأمر، حتى لا يقع الآباء والأمهات في مخالفات شرعية ولا يأخذون العبرة والعظة مما حدث للفنان الذي قاضته ابنته وأنكرت عليه التصرف في بعض ممتلكاتها التي سبق ومنحها إياها؛ بل واتهمته في عريضة الدعوى القضائية بخيانة الأمانة وفقاً لما صرح به في إحدى الفضائيات.
في البداية سألت العالم الأزهري د. نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: هل يجوز للرجل توزيع ثروته على أولاده حال حياته؟ ولو وزع مالاً أو عقارات.. هل يحق له الرجوع في ذلك لأي سبب من الأسباب؟
قال واصل: توزيع الآباء والأمهات لثرواتهم حال حياتهم على أولادهم قد يكون مقبولاً من الناحية الشرعية لو كان لذلك ما يبرره بشرط ألا يحتوي هذا التصرف على مخالفة شرعية كأن يوزع الإنسان ثروته على بناته لكي يحرم ورثة آخرين أو يوزع ثروته على أولاده لكي يغدق على بعضهم ويضن على البعض الآخر.
فالأمر هنا يرجع إلى النية فلو كان تصرف الأب بريئاً ومقصده استمرار علاقة المودة والرحمة بينهم وعدم حدوث خلاف بينهم بعد رحيله على تركته وكان عادلاً ومنصفاً ومحققاً رضا الجميع كان له ذلك ولا لوم عليه ولا مخالفة شرعية في ذلك.. فتصرف الأب هنا مقبول فالمال ماله وله أن يتصرف فيه كيفما يشاء خاصة لو كان أولاده في حاجة إلى المال ليعيشوا حياة كريمة ويواجهوا متطلبات حياتية تحقق لهم الاستقرار والطمأنينة في حياتهم.. وهو هنا يوزع على سبيل الإهداء والعطية ولا يوزع تركة.. فتركة الإنسان تكون بعد وفاته.
لكن ينصح د.واصل كل الآباء بترك هذه الأمور لوقتها الطبيعي لتوزع كما شرع الخالق سبحانه في آيتي المواريث فالتوزيع الشرعي يحقق العدالة بين الورثة ويرضى الجميع.
وعن حكم الرجوع في الهبة أو العطية من جانب الأب يقول د.واصل: يجوز للأبوين الرجوع في الهبة أو العطية إذا ما احتاج إليها لنفسه، أو لابن آخر لم ينل حظاً من عطايا الأب، أو لتحقيق العدل.
الأب أولى بماله
الداعية الأزهري د. مبروك عطية يؤكد أنه ضد أن يوزع الأب ثروته على أولاده حال حياته ولا يبقى لنفسه ما يفي بحاجته ويفيض.. ويقول: لا يدرك الإنسان متى ينتهي أجله ويغادر الحياة ولا كيف سيكون حال أولاده من البر والعقوق بعد أن يوزع عليهم ثروته، ومن يريد أن يفي بحاجة أولاده حال حياته ليسعد برؤيتهم سعداء ومستقرين في حياتهم يوزع عليهم ما يحقق لهم هذه السعادة فمن يحتاج لمسكن يتزوج فيه ويستقر يحقق له رغبته ومن يريد سيارة يأت له بسيارة وهكذا شريطة أن يعدل بين أبنائه ولا يخالف العدل هنا أن يميز أحد هؤلاء الأبناء لحاجته إلى علاج أو مصاريف دراسة أو خلافه
هنا لا يكون الأب قد وزع كل ثروته على أولاده وجلس خاوي الوفاض كما فعل الفنان الذي أعلن أنه لا يمتلك في الحياة سوى هاتفه النقال الصغير.
ويضيف: ليس من المقبول شرعاً ولا عرفاً أن يتخلى الإنسان عن كل ثروته ثم يجلس رهينة لبر أولاده به.. بل الدين والعقل والمنطق أن يعطيهم ما يفي بحاجتهم حال حياته ويترك باقي ثروته لتوزع عليهم توزيعاً شرعياً بعد الرحيل.
ويقول: لا تتركوا أنفسكم رهينة لبر أولادكم فلا يدري أحد تغير القلوب والنفوس وسواء أكان الابن ذكراً أو أنثى فلا أمان لأحد.. فالابن قد تغيره زوجته والابنة قد يغيرها زوجها وأحداث الحياة التي نعيشها تؤكد ذلك.
يقول د. صبري عبد الرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر: لكل من الابن والأب ذمة مالية مستقلة، فبمجرد أن يكبر الابن ويتكسب المال بنفسه يصبح المال حقاً له وحده، ولو كان الأب عاجزاً عن العمل والتكسب وليس لديه مال كان على الابن نفقة أبيه شرعاً بما يفي بحاجته.
ويضيف: أحقية الأب في التصرف في مال الابن المؤتمن عليه مشروطة، فلو أنفق الأب أو تصرف في بعض مال الابن فيشترط ألا يكون هذا التصرف مهلكاً لمال الابن، وألا يكون الابن في حاجة إلى هذا المال أن لا تتعلق به حاجة للابن، فلو كان الابن يدخر المال مع والده ليتزوج به، أو يشترى به مسكناً يناسبه في المستقبل، أو غير ذلك من الحاجات فليس للأب أن يتصرف في المال المستقل الخاص بابنه دون أن يرجع إليه. أما لو كان هذا المال هو أصلاً مال الأب ومنحه للابن على سبيل الهبة فله حق التصرف فيه؛ بل له حق الرجوع في هبته واسترداد ما وهب كاملاً.
فتوى الأزهر
أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية في فتوى رسمية، أن «توزيع الرجل تركته قبل موته غير جائز شرعاً؛ لأن موت المورّث شرط أساسي من الشروط التي وضعها الإسلام للإرث، فمن شروط الإرث - كما قال الفقهاء- أربعة: تحقق موت المورث، أو إلحاقه بالموتى تقديراً كجنين انفصل ميتاً في حياة أمه، أو إلحاق المورث بالموتى حكماً كما في حكم القاضي بموت المفقود اجتهاداً، وإذا وزع الرجل تركته حال حياته قد يأخذ الورثة التركة كلها ثم يتركون صاحب المال بلا رعاية ولا مأوى، وفي هذه الحالة يقع ما لا تحمد عقباه»، وهو ما حدث مع الفنان.
وتابع المركز في فتواه: «وقد يولد لهذا الرجل بعد التوزيع ولد آخر، وفي هذه الحالة يكون قد ظلم هذا الولد في الوقت الذي يؤمر فيه بالتسوية بين أولاده، وبهذا الحكم أخذ القانون المصري، حيث جاء في المادة الأولى من القانون رقم 77 لسنة 1943 بشأن المواريث: يستحق الإرث بموت المورّث، أو باعتباره ميتاً بحكم القاضي، مع العلم بأنه يجوز للرجل أن يوزع أمواله على أولاده حال حياته، ولكن هذا يُعد من قبيل الهِبة لا من قبيل الميراث، وفي هذه الحالة لا بد من التسوية بين أولاده جميعاً، ولا بد أن يكون ذلك في حال صحته، وليس مرض موته، وبناء عليه: فإن توزيع الرجل تركته حال حياته غير جائز شرعاً». والخلاصة، أن الأزهر يؤكد أن الأفضل ترك الآباء توزيع ما يمتلكون على ورثتهم الشرعيين لما بعد الوفاة، مع جواز أن يعطي أبناءه عطايا وهِبات لمواجهة أعباء الحياة، ولتلبية رغباتهم المشروعة شريطة أن يكون عادلاً بينهم، وليس شرطاً هنا أن يعطي للذكر مثل حظ الأنثيين، فهذا ليس ميراثاً، ولكنه عطايا وفقاً لحاجة كل ابن.. وعليه أن يراعي العدل بينهم حتى لا يوغر صدور من يحصلون على أقل العطايا.
أما دار الإفتاء المصرية فقد حذرت من لجوء البعض إلى توزيع التركة قبل الوفاة لحرمان بعض الورثة من حقوقهم الشرعية، حيث يلجأ بعض الآباء الذين لم ينجبوا ذكوراً، أو هؤلاء الذين حرموا من نعمة الإنجاب إلى توزيع ما يمتلكون على أنجالهم الإناث في الحالة الأولى، أو على زوجاتهم في الحالة الثانية لكي يحرموا باقي الورثة من حقوقهم الشرعية.. مؤكدة أن هذا التصرف محرم شرعاً، ويجلب لمن يفعله غضب الله وعقابه.