ثروة اللاجئين

حلول مستدامة لمواجهة أعقد قضايا القرن الـ 21
21:45 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
2
2

عن المؤلف

الصورة
1
ألكسندر بيتس
ألكسندر بيتس أستاذ الهجرة القسرية والشؤون الدولية، ومحاضر في السياسة في كلية براسينوس بجامعة أكسفورد.

نحن نعيش في عصر النزوح. تتزايد أعداد اللاجئين بسبب فشل الحوكمة، وسوف تتفاقم هذه المشكلة مع تغير المناخ وتأثير جائحة كورونا. يرى هذا الكتاب أن صعود الشعبوية أدى إلى تقويض الرغبة لدى الدول الغنية لقبول المهاجرين وطالبي اللجوء. ويتساءل: كيف يمكننا إنشاء سياسات مستدامة تمكن اللاجئين من العيش بأمان وكرامة وتبعث على الراحة لدى المجتمعات المستضيفة؟

 استوحى المؤلف عنوان هذا الكتاب الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد (22 يونيو 2021) بالإنجليزية ضمن 448 صفحة، من كتاب آدم سميث الصادر عام 1776 بعنوان «ثروة الأمم»، والذي يمكن القول أنه النص التأسيسي للاقتصاد الحديث. يشير الكتاب إلى حقيقة أنه على مدار ال 250 عاماً الماضية، نادراً ما أخذ الاقتصاد في الاعتبار الحياة الاقتصادية لبعض الأشخاص الذين يقعون خارج إطار الدولة القومية: اللاجئون وغيرهم من السكان المنفيين. لم تكن أطروحة سميث مجرد عمل اقتصادي. كان نصاً للاقتصاد السياسي، يدمج الأفكار حول الأخلاق، والاقتصاد، والسياسة، والقوانين. في جوهره، طرح كتاب «ثروة الأمم» فكرة بسيطة مفادها: السماح للناس بالاستقلالية في اتخاذ خياراتهم والسعي وراء مصالحهم الخاصة يؤدي إلى تحقيق أفضل النتائج الجماعية. ومع ذلك، نادراً ما شكلت هذه الأفكار حوكمة اللاجئين، وهو مجال تُحرم فيه حتى الحريات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية في كثير من الأحيان.

 يعتمد هذا الكتاب في جوهره على عقد من البحث النوعي والكمي لتقديم حلول عملية. يركز على تجربة ثلاث دول في شرق إفريقيا والتي، على الرغم من استضافة لاجئين أكثر من الاتحاد الأوروبي بأكمله وأكثر من خمسة أضعاف أمريكا الشمالية، فقد تبنت كل منها الابتكار، وفي بعض النواحي التقدمية، وسياسات اللاجئين تهدف إلى المنفعة المتبادلة بين اللاجئين ومواطني البلدان المستضيفة.

 يجد المؤلف بأن المفتاح يكمن في إطلاق العنان للمساهمات المحتملة للاجئين أنفسهم، فاللاجئون يجلبون معهم المهارات والمواهب والتطلعات ويمكن أن يكونوا فائدة وليس عبئاً على المجتمعات المستضيفة. يعتمد إدراك هذه الإمكانات على تجاوز التركيز الإنساني البحت ليشمل اللاجئين بالكامل في اقتصادات الدولة المضيفة، وبناء الفرص الاقتصادية في المناطق التي تستضيف اللاجئين، والتغلب على السياسات الغامضة لحمايتهم.

 إشكالية هشاشة وفشل الدول

 يقول المؤلف في بداية العمل: «النزوح البشري هو أحد أكبر القضايا المعقدة في القرن الحادي والعشرين. يضطر الآن عدد أكبر من الناس أكثر من أي وقت مضى إلى الفرار من بلدانهم، بسبب القمع والعنف والانهيار الاقتصادي. معظمهم يهرب للنجاة بحياته، ويترك القرى والبلدات التي تعرضت للقصف أو الحرق أو الاستهداف بالقذائف. لأول مرة في التاريخ، نزح أكثر من 80 مليون شخص، أي أكثر من واحد في المئة من البشر على وجه الأرض. يبقى معظم النازحين داخل بلادهم، لكن أكثر من 25 مليون لاجئ أجبروا على مغادرة بلادهم من أجل البقاء. من سوريا إلى فنزويلا، السبب الرئيسي هو الحكومات التي إما أنها تهاجم شعوبها أو تفشل في منع حدوث أشياء فظيعة أخرى. مثل هذه الحكومات غير راغبة أو غير قادرة على ضمان أبسط الشروط لحياة كريمة. بعد ترك مجتمعاتهم وثقافاتهم وراءهم، يواجه اللاجئون استجابة غير مؤكدة وأحياناً غير مرحب بها في البلدان التي يصلون إليها. وسيزداد حجم التحدي سوءاً قريباً لأن تغير المناخ يجعل مناطق شاسعة من الكوكب غير صالحة للسكن، ويؤدي إلى تفاقم الأزمات والصراعات».

 ويضيف: «بالطبع، سيكون الحل المثالي هو معالجة الأسباب. فإنهاء الحروب، والإطاحة بالحكومات الاستبدادية، وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من شأنه أن يقلل من أعداد النازحين. لكن خلال المحاولة لإيجاد حلول لهذه الأسباب الجذرية، أثبت المجتمع الدولي أنه قاصر في استبدال الحكومات السيئة. بالتالي، نبقى أمام العواقب البشرية لانعدام الأمن العالمي؛ إيجاد طرق لاستيعاب الأشخاص المهمشين في مجتمعات أخرى بشكل مؤقت أو دائم، وتمكينهم من العيش بكرامة وبهدف. وهذا أيضاً يمثل تحدياً لأن العديد من المجتمعات المستضيفة تحجم عن قبول أعداد كبيرة من اللاجئين، وغالباً ما يستغل السياسيون الشعبويون في الدول الغنية والفقيرة المخاوف العامة لتحقيق مكاسب انتخابية. بدلاً من تسليط الضوء على المساهمة التي يمكن أن يقدمها اللاجئون للمجتمعات المستقبلة، أو الالتزام الأخلاقي بالاستضافة، يؤكد السياسيون من الولايات المتحدة إلى تنزانيا على التهديد للاقتصاد أو الأمن أو الهوية.

 يقدر البنك الدولي - بحسب المؤلف - أنه بحلول عام 2050 قد يتشرد حوالي 140 مليون شخص بسبب تغير المناخ، ويهدد الركود الاقتصادي العالمي بتضخيم الدوافع الأخرى للنزوح مثل الصراع وضعف الحوكمة. ومع ذلك، فإن تزايد القومية الشعبوية يقوض الرغبة السياسية للدول الغنية والفقيرة لقبول المهاجرين واللاجئين في أراضيهم. في هذا السياق، يتساءل المؤلف: كيف يمكن للعالم أن يجد طرقاً لاستضافة أعداد متزايدة من اللاجئين والنازحين بشكل مستدام؟ يرى أن«هذا السؤال مهم للعالم الغني. ففي أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، يعد دعم حقوق اللاجئين أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على القيم الليبرالية والديمقراطية. لكي يُنظر إلى الدول الغنية على أنها ليبرالية وشرعية، لا يمكنها ببساطة أن تدير ظهورها للأشخاص الذين يفرون للنجاة بحياتهم. تتمثل إحدى الطرق المهمة لمساعدة اللاجئين في السماح لهم بدخول البلاد، إما عن طريق السماح لهم بالوصول تلقائياً كطالبي لجوء، أو من خلال برامج إعادة التوطين المنظمة».

 ملاحظات على النزوح القسري

 ينطلق المؤلف في عمله من ثلاث ملاحظات حول اتجاهات النزوح القسري وتحركات اللاجئين، والتي من المحتمل أن تستمر، فيما يتعلق بالجغرافيا والأرقام والسياسة، وهي:

* أولاً، خلافاً للاعتقاد السائد، فإن معظم اللاجئين ليسوا في أوروبا أو أمريكا الشمالية. يعيش حوالي 85 في المئة من لاجئي العالم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ويرجع هذا إلى أن مثل هذه البلدان غالباً ما تجاور البلدان التي تعاني من الأزمات، ولأنها غالباً ما تكون حدودها سهلة الاختراق، ما يعني أن الدولة الأولى التي يفر الناس إليها عادة ما تكون دولة مجاورة. لا يملك معظم اللاجئين الوسائل أو الطموح أو الحرية للسفر لمسافات أبعد. يبقون في المخيمات أو المدن في المنطقة التي أتوا منها. وقد يقدم هذا بعض المزايا: في بعض الأحيان لغة مشتركة، واقتصاد مماثل، والقدرة على الاحتفاظ على تواصل سهل بالوطن. على سبيل المثال، يمكن للصوماليين الفارين إلى ما يسمى بالمنطقة الصومالية في جنوب إثيوبيا التحدث بالصومالية مع المجتمع المضيف، والانخراط في أنشطة مدرة للدخل مماثلة للعودة إلى الوطن، وأحياناً الذهاب والرجوع إلى جنوب وسط الصومال للحفاظ على المزارع أو الممتلكات. ومع ذلك، فإن اللاجئين في هذه البلدان والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي تستضيفهم كثيراً ما يواجهون تحديات كبيرة.

* ثانياً، أعداد النازحين قسراً واللاجئين في تزايد، على أساس سنوي تقريباً. فعدد النازحين، بمن فيهم النازحون داخل بلادهم وعبر الحدود، أعلى من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية. يفر معظمهم من الدول الهشة أو الفاشلة، مع أكثر من نصف اللاجئين المعترف بهم في العالم من سوريا وجنوب السودان وأفغانستان فقط. لكن عملياً، يبدو أن قائمة البلدان الهشة، وبالتالي المنتجة للاجئين، تتوسع كل عام تقريباً. فنزويلا واليمن من بين البلدان التي انتقلت مؤخراً من الاستقرار النسبي إلى الانهيار المجتمعي، وسوف تمر سنوات عديدة قبل أن يتمكن الناس من العودة إلى ديارهم. هناك عدة عوامل تكمن وراء الاتجاه السائد في الدول الهشة، ولكن من بينها توسيع نطاق توزيع القوة في النظام الدولي، ما يؤدي إلى تفاقم التنافس بين القوى الكبرى بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. تلعب هذه المنافسات داخل دول صغيرة ذات أهمية جيواستراتيجية، وفي نفس الوقت تشل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في بحثه عن حلول. تشير جميع التوقعات الموثوقة حول توزيع القوة العالمية إلى أنه من غير المرجح أن ينحسر هذا الاتجاه ما لم تقم الصين والولايات المتحدة ببناء رؤية مشتركة للاستجابة للدول الهشة. ومن المرجح أن يؤدي«تغير المناخ» إلى تفاقم النزوح. يعتبر تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية حقيقة لا جدال فيها وسيؤثر في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية، والتي بدورها لها آثار على الهجرة والنزوح. في الحالات القصوى، مثل الكوارث الطبيعية والتصحر والجزر الغارقة، ستكون التأثيرات على النزوح مباشرة. في حالات أخرى، سيكون التأثير هو تضخيم وتفاقم مصادر النزوح الأخرى مثل انعدام الأمن الغذائي والصراع. اليوم، نشهد الآثار على النزوح القسري، ففي المثلث الشمالي بأمريكا الوسطى، تُعزى الزيادة الكبيرة في التنقل القسري للأشخاص من المجتمعات الريفية في هندوراس ونيكاراجوا إلى الولايات المتحدة جزئياً إلى تأثيرات تغير المناخ على الأمن الغذائي، والحوكمة الضعيفة. 

* ثالثاً، السياسات المتعلقة باللاجئين والهجرة تنقسم بشكل متزايد. في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، ارتفعت الهجرة بشكل مطّرد في بروزها السياسي لتصبح واحدة من أهم القضايا الانتخابية. في بعض البلدان والمناطق، أصبحت القضية السياسية الأكثر أهمية بالنسبة للناخبين. تمت تعبئة ما يسمى بأزمة اللاجئين الأوروبيين 2015-2016 بشكل انتهازي من قبل السياسيين الشعبويين بطريقة استقطبت المجتمعات، وأدت إلى النجاح الانتخابي لليمين المتطرف في بريطانيا وألمانيا على سبيل المثال. في الولايات المتحدة، شكلت سياسات الهجرة الانقسام المجتمعي المتزايد وتصاعد كراهية الأجانب. في جميع أنحاء العالم الغربي، أصبحت الهجرة كبش فداء، حيث كانت بمثابة شمّاعة لمشكلات اجتماعية أخرى مثل اختفاء وظائف التصنيع والأسواق المالية غير المستقرة. بغض النظر عن مدى الخداع في الخطاب السياسي، فإن الإجماع السياسي في العالم الغني هو فرض قيود صارمة على الهجرة الجماعية.

حلول مستدامة للاجئين

 بالنظر إلى الملاحظات الثلاث التي يقدمها المؤلف عن الاتجاهات الحالية والمستقبلية المتعلقة باللجوء والنزوح، هناك حاجة لتحديد الأساليب التي يمكنها أن تكون مستدامة. يتساءل المؤلف هنا: إذن، ماذا تعني الاستدامة في سياق اللاجئين؟ يرى أن لديها ثلاثة عناصر رئيسية، ونلخصها في التالي:

* أولاً، بالنسبة للاجئين، يجب أن تلبي الاستجابة المستدامة احتياجاتهم الأساسية واستحقاقاتهم القانونية. بلغة حوكمة اللاجئين، فهي بحاجة إلى توفير الحماية والمساعدة والحلول. تعني الحماية الوصول إلى جميع الحقوق بموجب قانون اللاجئين وقانون حقوق الإنسان، وعلى الأخص الحق في عدم الإعادة القسرية إلى بلد يوجد فيه خطر. المساعدة تعني الوصول إلى الخدمات الأساسية لضمان حد أدنى من مستوى المعيشة. تتعلق الحلول بضمان الاندماج على المدى الطويل داخل المجتمع، سواء من خلال العودة إلى بلد الأصل، أو الاندماج والتجنيس في بلد جديد.

* ثانياً، تتطلب الاستدامة نموذجاً يمكنه الحفاظ على الدعم السياسي على المستويات المحلية والوطنية والدولية. من أجل الصمود مع الأيام، وتجنب ردود الفعل العكسية، يجب أن تكون سياسات اللاجئين قادرة على الاحتفاظ بدعم السياسيين، والبقاء في السلطة، بالتالي يحتاج هؤلاء السياسيون إلى أن يكونوا قادرين على الاحتفاظ بدعم ناخبيهم ودوائرهم الانتخابية. يجب أن تكون السلطات السياسية في المناطق المستضيفة، سواء على مستوى البلديات أو المقاطعات، قادرة على القول بمصداقية بأن المجتمع المحلي يستفيد من وجود اللاجئين. يجب أن تكون الحكومات الوطنية قادرة على القول بمصداقية أن استضافة اللاجئين تجلب منافع تصب لصالح المصلحة الوطنية.

* ثالثاً، يجب أن يكون نموذج اللاجئ المستدام قادراً على العمل على نطاق واسع والاستمرار مع مرور الوقت. بالنظر إلى الأعداد المتزايدة للاجئين، وتزايد الدول الهشة والفاشلة في العالم، وظهور شبح تغير المناخ، يحتاج العالم إلى تصور نماذج لا يمكن أن تعمل فقط مع 25 مليون لاجئ اليوم، ولكن من المحتمل أيضاً أن تصلح لعدد أكبر بشكل ملحوظ من السكان، ربما حتى من 50 أو 100 مليون شخص. 

 التوفيق بين المعايير 

 يرى الكاتب أن الأساليب يجب أن تكون فعالة قدر الإمكان من حيث التكاليف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويجد أن التوفيق بين هذه المعايير هو أحد أكبر تحديات السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
عاصم سجّاد أختار
9
هيلين تومسون
1
فرانسيس فوكوياما
1
ماري إليز ساروت

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
تشاي هان كيم
1
لويس ألكسندر بيرج
1
سالفاتور إنجل دي ماورو
2
ويندي فيتزجيبون وجون ليا
1
لين تشون
2
إيليا بودرايتسكيس
1
بيتر جيلديرلوس
3
سهيمة منظور خان