البابا يقرع الأجراس

00:09 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

وجه بابا الفاتيكان فرنسيس في زيارته الأخيرة إلى اليونان وقبرص رسائل في غاية البلاغة، وشديدة القسوة والإيلام إلى الضمير الأوروبي، في محاولة لاختراق جدار العداء والصمت واللامبالاة فيما يتصل بقضية الواقفين على أبواب القارة. ومن أجل مقاربة أكثر إنسانية لاستيعاب الهاربين من وحشية الإرهاب القاتل، وبؤر الحروب الدموية والاقتتال الأهلي وطواحين الموت، أو المطاردين بأشباح الجفاف والمجاعات ونقص الغذاء وسوء التغذية.

استذكر الحبر الأكبر القصص المأساوية العالقة في الضمير الإنساني عن آلاف الأشخاص البؤساء الذين خاضوا غمار البحر على مراكب هزيلة ومهلهلة بأمل الوصول إلى شواطئ الاستقرار وضمان حياة جديدة يسودها الأمن وتظللها السكينة، لكن البحر ابتلع أغلبهم إلى أعمق إعماقه المظلمة، بينما واجه الناجون تعسف السلطات وجدرانها السميكة التي حاصرت جموع البؤساء قليلي الحيلة، وحطمت أحلامهم وحوّلتهم مشردين وسجناء ومضت أكثر من ذلك إلى استغلال بؤسهم في المناورات السياسية.

وفي واحدة من خطاباته المؤثرة، وصف البابا الحوض الكبير من المياه، ويقصد به البحر الأبيض المتوسط، بأنه كان مهداً للعديد من الحضارات، لكنه قال إنه يبدو اليوم وكأنه مرآة للموت، معيداً إلى الذاكرة مشاهد الأجساد الصغيرة الممدة بلا حراك على شواطئه من جثث المهاجرين الذين خابت مساعيهم في الوصول إلى أوروبا وماتوا في طريق حلمهم الكبير.

وفي عبارات اتسمت بنوع من البلاغة القاسية وأمام الرئيسة اليونانية كاترينا ساكيلاروبولو ونائبة رئيسة المفوضية الأوروبية مارجريتيس شيناس، ووزير الهجرة اليوناني نوتيس ميتاراشي، قال: إن البحر الأبيض يتحول إلى «مقبرة باردة من دون شواهد»، ودعا الى عدم السماح بتحويل هذا البحر إلى«بحر ميت وبحر للذكريات وطالب بوقف غرق الحضارة في بحر النسيان والأنانية».

وبقدر ما كانت خطابات البابا قاسية، فقد كانت محفزة بقدر مساوٍ، واكتسبت الزيارة التي ركزت على تسليط الضوء على محنة المهاجرين أهميتها من الأهمية الروحية التي يمثلها بابا الفاتيكان في عقول وقلوب ملايين المؤمنين في العالمين الغربي والشرقي على السواء.

لقد كان البابا الذي خاطب العالم من جزيرة ليسبوس التي ترمز لمأساة الهجرة والمهاجرين، يدق أجراس الخطر ويحذر من أن المجتمعات الغربية غارقة في مشاعر الأنانية، وبعيدة عن التحلي بقيم الإنسانية والمشاركة والتعاون، وهي القلب النابض والروح المتألقة للحضارة المعاصرة. وفي اعتقاد جازم بأن قضية المهاجرين هي أكبر كارثة إنسانية تمر بالعالم بعد الحرب العالمية الثانية، يعتبر الحبر الأعظم أن أوروبا وبدلاً من أن تكون محركاً للتضامن في هذه القضية فإنها وقعت فريسة لمشاعر الأنانية القومية.

والبابا فرنسيس نفسه يتحدر من عائلة مهاجرين إيطاليين استقروا في الأرجنتين واسمه الحقيقي خورخي بيرغوغليو، وهو يؤمن بشكل جازم بأن قضية المهاجرين ليست عقبة للحاضر، لكنها ضمانة للمستقبل. ودعا إلى جعل مسألة قبول المهاجرين في البلدان الأوروبية علامة على العيش المشترك والمسالم مع كل الذين تجبرهم الظروف على الفرار بحثاً عن وطن وأمل.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"