أوروبا التي جاءت متأخرة

00:09 صباحا
قراءة 3 دقائق

القرار الذي اتخذته المفوضية الأوروبية من مقرها في بروكسل أول أيام هذا الشهر، جرى اتخاذه ولسان حال المفوضية يقول إنك إذا أتيت متأخراً، فإن ذلك أفضل بالتأكيد من ألّا تأتي. 
 وكانت أورسولا فان دير لاين، رئيسة المفوضية، قد أعلنت أن الاتحاد الأوروبي قرّر تخصيص 300 مليار يورو لمواجهة المشروع الصيني في القارة السمراء، وقالت إن إنفاق هذا المبلغ سيكون من خلال استثمارات مختلفة ومتنوعة في البلاد الإفريقية، وإن دول المغرب العربي ستكون ذات أولوية في هذه الاستثمارات. 
وليس سراً أن المفوضية هي الذراع التنفيذية الأقوى في الاتحاد.. تماماً كالمفوضية الإفريقية التي هي ذراع الاتحاد الإفريقي الأقوى. 
 وقد بادرت المفوضية الأوروبية فأطلقت على المشروع الذي يمثله هذا المبلغ مسمى «البوابة العالمية».. ولم تشأ أن تُخفي أن الهدف من وراء إطلاق هذه البوابة، هو مواجهة مشروع صيني تعمل عليه الحكومة الصينية من سنين، ويسمى «الحزام والطريق». 
 والمتابع لخطوات المشروع الصيني يعرف أنه مشروع بدأ من سنوات، وأنه قطع خطوات في اتجاه التنفيذ في زمن ما قبل «كورونا»، وأنه يمر في ثلاث قارات حول العالم (آسيا وإفريقيا وأوروبا)، وأنه عبارة عن موانئ برية وبحرية متناثرة على طول امتداده، وأنه حتى وإن كان ذا شكل اقتصادي مجرد، فإنه بالطبع يحمل بين ثناياه أهدافاً تخدم النفوذ السياسي الصيني على المدى البعيد في العالم كله، وليس في القارات الثلاث وحدها. 
 ولا تأتي القارة العجوز متأخرة في مشروع بوابتها العالمية عن الصين فقط، ولكنها تأتي متأخرة عن روسيا التي كانت قد سبقتها إلى القارة السمراء من بعد الصين، ثم تأتي أوروبا متأخرة أيضاً عن الولايات المتحدة الأمريكية التي جاءت تالية لروسيا.. ويبدو أن مسمى القارة العجوز الذي يطلقه كثيرون على القارة الأوروبية، قد أصبح اسماً على مسمى، ولم يعد مسمّى عابراً من المسميات السياسية شبه الساخرة التي يحلو للبعض أن يشاغب بها دول الاتحاد من وقت إلى آخر. 
 وأينما وليت وجهك في القارة السمراء، فسوف تصادف الاستثمارات الصينية في كل مكان، وسوف تجدها مستقرة منذ وقت مبكر، وسوف تكتشف على سبيل المثال أن قصر الرئاسة السودانية الجديد في الخرطوم، أُنشئ أيام الرئيس السابق عمر البشير، من جانب الصينيين وعلى نفقتهم، وكانت حكومة الرئيس الصيني شي جين بينج، قد شيّدته ثمّ قدمته هدية للرئيس البشير. 
 ولا يزال يقال عن مثل هذه الاستثمارات الصينية أنها تأتي من دون أن تكون مقترنة بمطالب سياسية ترافقها، كما يحدث في الأغلب مع المساعدات والاستثمارات الأمريكية مثلاً.. فهي ترتبط في العادة بأمور سياسية من نوع حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها !. 
 ولا أحد يعرف بعد ما إذا كان مشروع القارة الأوروبية المرتقب سيرتبط في أثناء تنفيذه عملياً بمطالب سياسية تتزامن معه.. ولكن ما نعرفه عن الاتحاد الأوروبي أن قضية مثل قضية حقوق الإنسان تهمه، وأنه يثيرها من فترة إلى فترة مع دول المنطقة في الشرق الأوسط، ولا تكون إثارتها من أجلها في حد ذاتها، ولكنها تظل تخفي وراءها أهدافاً سياسية غير مباشرة في كل مرة تُثار فيها. 
 وإذا شاءت المفوضية الأوروبية لمشروعها أن ينجح في مواجهة المشروع الصيني، فليس أمامها سوى أن تجعل منه مشروعاً اقتصادياً خالصاً، وألّا تخلط بينه وبين السياسة وهي تنفذه، وأن تجعله مشروعاً يستهدف التعاون مع دول إفريقيا والارتقاء بمستوى حياة الإنسان فيها، دون أن تتخفى وراءه كمشروع ضخم أهدافه سياسية غير معلنة على الناس.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"