الدبلوماسية الثقافية

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

الفن هو حالة وجدانية بحتة تترجم أحاسيسنا وقصصنا، تنقلها من عالم الخيال واللاوعي، إلى عالم محسوس مترجم مع عقل واعٍ. هي الصورة البصرية التي تشبهنا، تتحدث عن الكثير في حالة صمتنا واختفائنا أيضاً، هي الوقت الذي لم يعشه غيرنا واستل منا كل إدراكنا ووجودنا لينتقل لتلك اللوحة التي اختلطت فيها الألوان بالخطوط، واندمج الزمان الماضي فيها مع الواقع، ولربما اختلقنا بخيالنا واقعاً مختلفاً ومغايراً للحقيقة التي نعيشها، بصورة أخرى هي مهرب للكثير مما نمر به، وهي الانعكاس والتفريغ لما لا نريد له أن يؤثر فينا، وهي الصورة لما يتلبسنا من تقمصات وجدانية جميلة منتشية بسحر لا يدركه إلا الفنان في لحظته الآنية.
الفن هو الترجمة وهو الواقع الذي لو تحدثنا عنه لكنا مجحفين بحقه، ولكن كان لابد لأن تلتقي الثقافات بالصورة؛ الإدراك بالموقف والكلمة بالحدث، في بعض الأحاديث أسمع أن بعض الفنانين مبدعون في أعمالهم، ولكنهم فقراء في الحضور.. الحديث والقدرة على الخروج من خلف اللوحة لمواجهة جمهور يريد أن يسمع منهم سرداً عميقاً كما هي اللوحة. 
من وجهة نظري هناك إدراك ضعيف لماهية الحالة الثقافية التكاملية، فالفكر الوجداني هو أن يكون الفنان بكل صوره، وكل أشكال الفن، مثقفاً في حرفته، واعياً لما ينقله للمجتمع وحيثما كان، كان وقع صوته وعقله يوازي لونه وفنه. 
في حديث متكرر مع علامات عالمية بنت تاريخها من خلال محاكاة التجربة: الواقع الإنساني والصورة الإبداعية التي تفرضها الظروف والحالة الاجتماعية، تخبرك هذه العلامات بأنها تبحث عمن يفكر معها، يعيد كتابة قصة مشتركة ويكون صوتاً حياً لها، يترجم للمجتمع الموازي حالة من التناغم المشترك، وقل ما وجد من يكون لها كذلك.
الوقت الحالي يُلزمنا بأن نخرج من محيطنا البسيط وأن نتسارع مع الفرص، وأن نتساوى مع ما نريده، وما يريده المجتمع الإبداعي في حالة متوازنة لا يتنازل أحد فيها عن الأسس والقيم والقيمة الفنية الأصيلة، وأصل الفنان: الإنسان. 
نريد للحراك الفني أن يتوازى مع الحراك البصري الاقتصادي، مع فكر الثقافة الدبلوماسية التي تترجم هوية مجتمع ووطن، بفكر مثقف واعٍ مدرك يعيد ترجمة ما يقدم ليكون أداة دبلوماسية تسهم في الاقتصاد الإبداعي، والحراك السياسي، وأن تنتقل كل المفاهيم التي يؤمن بها والمفاجأة الروحية البصرية المتجذرة في تفاصيل أعماله لمجتمع لا يعرف عنها أصغر التفاصيل، فيحدث التغيير الصامت المدوي المؤثر. إن حاجتنا للفنان المدرك المثقف اليوم، لا تقل عن حاجتنا للدبلوماسيين والتهيئة حتى يكونوا مستعدين لتمثيل قيم وهوية وطن، وخدمة حاجته، فبالمثل نحتاج إلى التفافة حقيقية للفنانين، لإيجاد جسر متوازن يعيد تشكيل الثقافة الدبلوماسية للوطن من خلالهم، ومن خلال فكر حر مبدع غير مقيد، ولكن مدرك ومهيأ.
تحية لكل فنان أصيل تعب على نفسه واستثمر في عقله ومشهده الثقافي، كما استثمر في مرسمه وأدواته.

[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"