تنافس أمريكي فرنسي جديد

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

لم يتوقف التنافس الفرنسي الأمريكي عند حدود ما سمي ب «أزمة الغواصات» الأسترالية قبل أكثر من شهرين، حين ألغت كانبيرا صفقة غواصات فرنسية تقدر بمليارات الدولارات لصالح صفقة أمريكية مماثلة، بل تحَوّل ميدان هذا التنافس مجدداً إلى اليونان، عندما دخلت واشنطن مباشرة على خط بيع فرقاطات فرنسية إلى أثينا وقدمت عرضاً لبيعها فرقاطات أمريكية مماثلة.
 ويبدو أن الحديث الفرنسي - الأمريكي، عن مصالحة حقيقية و«عهد جديد» في العلاقات بعد «أزمة الغواصات»، والذي دشّنه لقاء الرئيسين الفرنسي ايمانويل ماكرون والأمريكي جو بايدن على هامش اجتماع دول مجموعة السبع في روما، وكرسته بعد أيام، زيارة نائبة الرئيس الأمريكي كمالا هاريس إلى باريس، في مطلع نوفمبر(تشرين الثاني) الماضي، قد أصبح من نسج الخيال بعد الدخول الأمريكي على صفقة الفرقاطات الفرنسية مع اليونان. إذ أعلنت الإدارة الأمريكية موافقتها على عقد بيع محتمل تشتري بموجبه اليونان أربع فرقاطات، مقابل 6,9 مليار دولار، علاوة على تحديث فرقاطات يونانية من طراز «ميكو» بمبلغ يقدر بنحو 2,5 مليار دولار، معتبرة أن العقد «سيرسي على الفائز بمناقصة دولية» لتحديث البحرية اليونانية، وأن الاتفاقية بين باريس وأثينا في هذا الصدد «ليست نهائية». 
 وتأتي هذه الخطوة، بعد أقل من ثلاثة أشهر على توقيع الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في باريس عقداً مماثلاً في 28 سبتمبر/أيلول يقضي ببيع البحرية اليونانية ثلاث فرقاطات، في إطار «شراكة استراتيجية» أكثر عمقاً بين البلدين للدفاع عن مصالحهما المشتركة في البحر المتوسط. وحينها وجه الاتفاق الفرنسي- اليوناني رسالة فرنسية إلى واشنطن تتضمن رداً على إلغاء صفقة الغواصات مع استراليا.
 لا ندري، بالطبع، على من سترسي «المناقصة الدولية» بشأن الصفقة الجديدة، ولكن من الواضح أن الصراع التنافسي لا يزال محتدماً بين باريس وواشنطن، وأن كلاً منهما يبحث عن مصالحه أولاً، وثانياً ثمة حسابات سياسية لدى كلا الطرفين، فبينما يزداد تمسك فرنسا بالاستقلالية الأوروبية، وبناء أوروبا قوية قادرة على الدفاع عن نفسها، وإعادة الاعتبار لقواعد التحالف مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعد إقامة تحالفي «اوكوس» الأنجلوساكسوني بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا، و«كواد» الذي يجمع أمريكا وأستراليا واليابان والهند، وإن كانا موجهين أساساً ضد الصين، إلا أنهما يخلطان الأولويات الأمريكية والأوروبية، بما ينعكس أيضاً على دول حلف «الناتو». 
 وبالتأكيد من المهم لباريس تعميق الشراكة مع أثينا ضمن الفضاء الأوروبي، خصوصاً في ظل مرحلة ما بعد ميركل، وإنشاء حقبة جديدة من العلاقات الفرنسية- الألمانية بقيادة المستشار الجديد أولاف شولتس، في حين تريد واشنطن، بالمقابل، تمتين العلاقة مع أثينا، ليس فقط لاعتبارها عضواً في «الناتو»، وإنما للحصول على مزيد من التسهيلات في نقل الجنود والمعدات العسكرية الأمريكية عبر ميناء الكسندروبولس إلى الأجنحة الشرقية لحلف «الناتو» القريبة من الحدود الروسية. 
 لكن بغض النظر عمن سترسو عليه الصفقة الجديدة، فإن مسار العلاقات الفرنسية - الأمريكية سيكون محكوماً بالتنافسية أكثر من أي وقت مضى.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"