العراق بين التوافق والفوضى

00:50 صباحا
قراءة دقيقتين

يؤشر قرار المحكمة الاتحادية في العراق تأجيل النظر، للمرة الثانية، في دعوى طلب إلغاء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، المقدم من زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري باسم «الإطار التنسيقي»، إلى خطورة القرار الذي سيصدر عن هذه المحكمة في نهاية المطاف، والتداعيات التي ستترتب عليه، باعتباره قراراً نهائياً وقاطعاً وملزماً لكل أطراف العملية السياسية.
 وفي وقت تتجه كل الأنظار إلى ما سيصدر عن هذه المحكمة، فإن قرار التأجيل يعكس الرغبة في إفساح المجال أمام القوى السياسية للتوافق إدراكاً من المحكمة لحساسية القرار وخطورته وتداعياته، سواء كان لصالح تثبيت الانتخابات ونتائجها أو لصالح إلغائها. ففي الحالتين، يمكن أن يهدد صدور القرار السلم الأهلي، وقد يتسبب بحرب أهلية لا أحد من العراقيين يرغب في اندلاعها. 
 فأنصار القوى الخاسرة في الانتخابات، والفصائل المسلحة التابعة لها، لا يزالون يحتشدون في خيام الاعتصام وعلى أبواب المنطقة الخضراء في بغداد، ويهددون باللجوء إلى الخيار العسكري لإلغائها، فيما القوى الفائزة سترفض أي قرار بإلغاء الانتخابات، مدعومة بأغلبية العراقيين والحكومة والمفوضية العليا والنتائج التي أسفرت عنها صناديق الاقتراع، والطعون التي أعقبتها، علاوة على دعم المجتمع الدولي ومنظماته الحكومية وغير الحكومية. وبطبيعة الحال، يصعب تصور صدور قرار عن المحكمة الاتحادية بإلغاء الانتخابات يتسبب حتماً بحدوث فراغ دستوري، ويقود إلى فوضى في الشارع، وبالتالي إلى استخدام السلاح في حرب داخلية لا أحد يمكنه التكهن بنتائجها.
 ومن هنا، تبدو فكرة التأجيل صائبة لمنح المزيد من الوقت للقوى السياسية كي تعيد النظر في تقييماتها ومواقفها والذهاب إلى الحوار سعياً للوصول إلى توافق لا بديل عنه سوى كارثة الحرب الأهلية، على أن التوافق لا يقتصر فقط على «التيار الصدري» و«الإطار التنسيقي» ضمن المكون الشيعي، بل ينسحب على المكونات الأخرى، وبالذات المكونين السني والكردي، وهو أكثر من ضروري لتمهيد الطرق أمام التوافق الشامل لاختيار الرئاسات الثلاث (الوزراء والبرلمان والجمهورية). 
 وإذا كان الانقسام واضحاً في المشهد الشيعي بين «الصدريين» و«الإطار التنسيقي» الأمر الذي يعقّد مسألة الاتفاق على مرشح لمنصب رئيس الوزراء، فإنه يطال مشهد المكونين السني والكردي، حيث انجلى المشهد السني عن قيام تحالفين متنافسين: «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي، و«العزم» بزعامة خميس الخنجر، وهو ما يعقّد آلية اختيار رئيس للبرلمان، في حين يتواصل الانقسام بين الحزبين الكرديين الكبيرين، وهو ما يعقّد الاتفاق على مرشح كردي لرئاسة الجمهورية، حيث يصّر الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة مسعود البرزاني على رفض عودة برهم صالح لولاية ثانية، متهماً إياه بأخذ مقعدين من حزبه لصالح الاتحاد الوطني الكردستاني، ويذهب إلى أبعد من ذلك، بإعلان استعداده للموافقة على مرشح آخر للمنصب من الاتحاد الوطني في مسعى منه لشق صفوف «الاتحاد» الذي لا يزال يتمسك بصالح مرشحاً له لولاية جديدة. وعلى هذه الخلفية، يبدو المشهد العراقي في غاية التعقيد والخطورة، وبالتالي تبدو الحاجة ملحة لتوافق عراقي شامل، قبل أي حديث آخر.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"