حرب الأربعين عاماً في أفغانستان

هزيمة سياسية وأيديولوجية كبرى للإمبراطورية الأمريكية
22:59 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
طارق علي
طارق علي مؤرخ وروائي وصحفي وكاتب ومنتج أفلام بريطاني من أصول باكستانية، مولود في لاهور. وهو مسلم علماني اشتهر بانتقاده للسياسة الأمريكية والإسرائيلية، مؤلف لأكثر من عشرين كتاباً عن تاريخ العالم والسياسة، من أهمها «صدام الأصوليات: الحملات الصليبية والجهاد والحداثة»، وكتاب «بوش في بابل»، وهو عضو في هيئة تحرير «نيو ليفت ريفيو» منذ فترة طويلة. يعيش في لندن.

لقد انتهى احتلال أفغانستان. وماذا يعني ذلك بعد أربعين عاماً؟ يتناول هذا الكتاب الحرب والسلام في منطقة شهدت أعنف «الحركات الجهادية» والحروب الأهلية، ويدعو الشعوب الغربية للضغط على الحكومات بشأن قرارات الحروب في العالم.

  • لم يكن أمام الرئيس بايدن أي خيار آخر إلا الانسحاب
  • الجنرال دوغلاس لوت: لم نكن نعرف ما كنا نفعله

 يشير الكاتب إلى أنه نادراً ما كان هناك تحمّس مشترك للوحدة الدولية مثلما حدث في غزو أفغانستان عام 2001. مقارنة بالعراق، أصبحت أفغانستان «الحرب الجيدة». لكن تلت ذلك حالة من الجمود، وانتظرت طالبان مغادرة قوات حلف الناتو. اليوم، مع انهيار النظام في كابول، ما الذي يحمله المستقبل للشعب الأفغاني المصاب بصدمة نفسية؟ هل ستصبح الصين هي النفوذ المهيمن في البلاد؟
 مؤلف الكتاب طارق علي يتابع الحروب في أفغانستان منذ أربعين عاماً. عارض التدخل العسكري السوفييتي في عام 1979، وتوقع حدوث كارثة. كما كان من أشد المنتقدين لعملية «الحرية الدائمة» (هو الاسم الرسمي المستخدم من جانب حكومة الولايات المتحدة للحرب في أفغانستان، إلى جانب ثلاث عمليات عسكرية أصغر تحت مظلة الحرب العالمية على الإرهاب). في سلسلة من التعليقات اللاذعة، وصف المآسي التي لحقت بأفغانستان، فضلاً عن طلبنة (طالبان) وعسكرة باكستان المجاورة.
 سيطرة «طالبان» على كابول
 يقول المؤلف في هذا الكتاب الصادر حديثاً عن دار فيرسو للنشر ضمن 272 صفحة: «كان سقوط كابول في أيدي حركة طالبان في 15 أغسطس /آب 2021 بمثابة هزيمة سياسية وأيديولوجية كبرى للإمبراطورية الأمريكية. كانت المروحيات المزدحمة التي تقل موظفي السفارة الأمريكية إلى مطار كابول تذكرنا بشكل مذهل بالمشاهد في سايغون - الآن مدينة هوشي منه - في إبريل/نيسان 1975. كانت السرعة التي اقتحمت بها قوات طالبان البلاد مذهلة؛ بدت فطنتهم الاستراتيجية لافتة للنظر. انتهى الهجوم الذي استمر أسبوعاً في كابول. وانهار الجيش الأفغاني البالغ قوامه 300 ألف جندي. رفض الكثيرون القتال. في الواقع، ذهب الآلاف منهم إلى طالبان، واستسلموا على الفور من دون شروط. فرّ الرئيس أشرف غني، المفضل لدى وسائل الإعلام الأمريكية، من البلاد. يرفرف الآن علم الإمارة التي أعيد إحياؤها فوق قصره الرئاسي».
 ويضيف: «في بعض النواحي، فإن أقرب تشبيه ليس سايغون بل السودان في القرن التاسع عشر عندما اجتاحت قوات المهدي الخرطوم وقتلت الجنرال غوردون في 26 يناير/كانون الثاني 1885. احتفل وليام موريس بانتصار المهدي باعتباره انتكاسة للإمبراطورية البريطانية. ومع ذلك، في الوقت الذي قتل فيه المتمردون السودانيون حامية كاملة، فرضت طالبان السيطرة على كابول من دون إراقة الكثير من الدماء. لم تحاول طالبان حتى الاستيلاء على السفارة الأمريكية، ناهيك عن استهداف الموظفين الأمريكيين. وهكذا انتهت الذكرى العشرون ل«الحرب على الإرهاب» بهزيمة متوقعة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وآخرين معهم في نفس الركب. بغض النظر عن سياسات طالبان - كنت من أشد المنتقدين لها لسنوات عديدة - لا يمكن إنكار إنجازها. في فترة ساهمت الولايات المتحدة في تدمير دولة عربية تلو الأخرى، لم تظهر أي مقاومة محتملة لتحدي المحتلين. قد تكون هذه الهزيمة نقطة تحول. هذا هو السبب الذي يجعل السياسيين الأوروبيين يتذمرون. لقد دعموا الولايات المتحدة دون قيد أو شرط في أفغانستان، وقد عانوا هم أيضاً الإذلال - ليس أكثر من بريطانيا».
 يرى طارق علي أنه لم يكن هناك أمام الرئيس بايدن أي خيار آخر. كانت الولايات المتحدة قد أعلنت أنها ستنسحب من أفغانستان في سبتمبر 2021 دون تحقيق أي من أهداف «التحرير»: الحرية والديمقراطية، حقوق متساوية للمرأة، أو تدمير طالبان. على الرغم من أنها قد تكون غير مهزومة عسكرياً، إلا أن الليبراليين المتشددين يؤكدون مدى عمق خسارتهم. ويعتقد معظمهم ومنهم، فريدريك كاغان في صحيفة «نيويورك تايمز»، وجيدون راشمان في «فايننشال تايمز»، أن الانسحاب كان يجب تأجيله لإبقاء طالبان في مأزق. لكن بايدن كان ببساطة يصدق عملية السلام التي بدأها ترامب، بدعم من البنتاغون، والتي شهدت اتفاقاً تم التوصل إليه في فبراير/شباط 2020 بحضور الولايات المتحدة وطالبان والهند والصين وباكستان. عرفت المؤسسة الأمنية الأمريكية أن الغزو قد فشل: لا يمكن إخضاع طالبان مهما طال بقاؤهم. والفكرة القائلة بأن انسحاب بايدن المتسرع قد عزز بشكل ما قوة المسلحين هي مجرد هراء.
 إخفاقات متعدّدة
 يرى المؤلف أنه بعد عشرين عاماً فشلت الولايات المتحدة في بناء أي شيء قد ينهي مهمتها. فقد كانت المنطقة الخضراء المضاءة بشكل ساطع محاطة دائماً بظلام لا يمكن للمقيمين فيها فهمه. ويعلق بالقول: «في واحدة من أفقر دول العالم، تم إنفاق المليارات سنوياً على تكييف الهواء في الثكنات التي تأوي جنوداً وضباطاً أمريكيين، في حين تم نقل الطعام والملابس بشكل كبير من قواعد أمريكية في المنطقة. لم يكن مفاجئاً أن نشأ حي فقير ضخم على أطراف كابول، حيث كان الفقراء يتجمعون للبحث عن الفتات في صناديق القمامة. لم تستطع الأجور المنخفضة المدفوعة لأجهزة الأمن الأفغانية إقناعهم بالقتال ضد أبناء وطنهم. تم اختراق الجيش، الذي تم تشكيله على مدى عقدين من الزمن، في مرحلة تلقى أنصار طالبان تدريبات مجانية على استخدام المعدات العسكرية الحديثة وعملوا كجواسيس للمقاومة الأفغانية. كان هذا هو الواقع البائس للتدخل الإنساني. على الرغم من كل ذلك: فقد شهدت البلاد ارتفاعاً كبيراً في الصادرات. خلال سنوات حكم طالبان، كان إنتاج الأفيون يخضع لرقابة صارمة. منذ الغزو الأمريكي، ازداد بشكل كبير، وهو يمثل الآن 90 في المئة من سوق الهيروين العالمي، ما يجعل المرء يتساءل عما إذا كان ينبغي النظر إلى هذا الصراع الذي طال أمده، جزئياً على الأقل، على أنه حرب أفيون جديدة. تريليونات من المليارات كانت من نصيب الجهات الأفغانية التي خدمت الاحتلال. تم دفع رواتب الضباط الغربيين بشكل جيد لتمكين التجارة. أصبح الآن واحد من كل عشرة شبان أفغان مدمنين على الأفيون. أرقام قوات الناتو غير متوفرة».
 أما بالنسبة لوضع المرأة - يضيف الكاتب - فلم يتغير شيء. كان هناك تقدم اجتماعي ضئيل خارج المنطقة الخضراء التي تنتشر فيها المنظمات غير الحكومية. لاحظت إحدى النساء الرائدات في البلاد في المنفى أن النساء الأفغانيات لديهن ثلاثة أعداء: الاحتلال الغربي وطالبان وجبهة التحالف الشمالي الأفغانية. وقالت: بمغادرة الولايات المتحدة سيكون لديهن اثنان. صناعة الجنس نمت لخدمة جيوش الاحتلال. كما لا توجد إحصاءات موثوقة عن الاغتصاب - على الرغم من أن الجنود الأمريكيين كثيراً ما استخدموا العنف الجنسي ضد المشتبه بهم بالإرهاب، وضد المدنيين الأفغان.
 ويذكر المؤلف: حارب أكثر من 775 ألف جندي أمريكي في أفغانستان منذ عام 2001. وقتل منهم 2448، إلى جانب ما يقرب من 4000 متعاقد أمريكي. وبحسب وزارة الدفاع، أصيب نحو 20.589 بجروح. يصعب حساب أعداد الضحايا الأفغان، حيث لا يتم احتساب «قتلى العدو» التي تشمل المدنيين. قدر كارل كونيتا من «مشروع بدائل الدفاع»، أن ما لا يقل عن 4200-4500 مدني قتلوا بحلول منتصف يناير 2002 نتيجة للهجوم الأمريكي، سواء بشكل مباشر كضحايا لحملة القصف الجوي أو بشكل غير مباشر في الأزمة الإنسانية التي تلت ذلك. 

1

 شهادات من الداخل
 في عام 2019، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريراً داخلياً من 2000 صفحة بتكليف من الحكومة الفيدرالية الأمريكية لتشريح إخفاقات أطول حرب لها: أوراق أفغانستان. وقد استند التقرير إلى سلسلة من المقابلات مع الجنرالات الأمريكيين (المتقاعدين والعاملين) والمستشارين السياسيين والدبلوماسيين وعمال الإغاثة وما إلى ذلك.. اعترف الجنرال دوغلاس لوت، «قيصر الحرب الأفغانية» في عهد بوش وأوباما، «لم نكن نعرف ما كنا نفعله، لم يكن لدينا أدنى فكرة عما نحن عليه». سلط شاهد آخر، جيفري إيجرز، وهو جندي متقاعد في البحرية الأمريكية وموظف في البيت الأبيض في عهد بوش وأوباما، الضوء على الهدر الهائل للموارد: «ما الذي حصلنا عليه من هذا الجهد... تريليون دولار؟ هل كانت قيمتها تريليون دولار؟... بعد مقتل أسامة بن لادن، قلت إن أسامة ربما كان يضحك في قبره بالنظر إلى المبلغ الذي أنفقناه على أفغانستان. كان بإمكانه أن يضيف: وما زلنا نخسر. من كان العدو؟ طالبان، كل الأفغان؟ كان هذا الجندي الأمريكي خدم لفترة طويلة مقتنعاً بأن ما لا يقل عن ثلث أفراد الشرطة الأفغانية مدمنون على المخدرات وقسم كبير آخر من مؤيدي طالبان. شكل هذا مشكلة كبيرة للجنود الأمريكيين، كما قالها مسؤول من القوات الخاصة لم يذكر اسمه في عام 2017: لقد اعتقدوا أنني سأحضر إليهم بخريطة لأريهم أين يعيش الأخيار والأشرار... استغرق الأمر عدة محادثات حتى يفهموا أنني لا أملك هذه المعلومات في يدي. في البداية، ظلوا يسألون فقط: «لكن من هم الأشرار، أين هم؟»
 عبّر دونالد رامسفيلد عن نفس المشاعر في عام 2003، وكتب قائلاً: «لا أعرف من هم الأشرار في أفغانستان أو العراق». لقد قرأت كل المعلومات من المجتمع، ويبدو الأمر كما لو أننا نعرف الكثير، لكن في الواقع، عندما تضغط عليه، تكتشف أنه ليس لدينا أي شيء لاتخاذ إجراء. نحن نفتقر إلى الذكاء البشري بشكل مؤسف.
 وأشار الكولونيل كريستوفر كوليندا، مستشار لثلاثة جنرالات في الخدمة، إلى مشكلة أخرى في البعثة الأمريكية. وقال إن الفساد كان متفشياً منذ البداية. كانت حكومة قرضاي «منظمة ذاتياً في نظام كليبتوقراطي». قوض ذلك استراتيجية ما بعد عام 2002 لبناء دولة يمكن أن تصمد بعد الاحتلال. «الفساد البسيط مثل سرطان الجلد، هناك طرق للتعامل معه وربما يكون على ما يرام. الفساد داخل الوزارات، على مستوى أعلى، يشبه سرطان القولون؛ إنه أسوأ، ولكن إذا تم اكتشافه في الوقت المناسب، فربما يكون وضعك لا بأس. لكن حكم الكليبتوقراطية يشبه سرطان الدماغ؛ إنه قاتل».
 يقول الكاتب: «وماذا عن التقارير الكاذبة عن هزيمة طالبان وأنهم لن يعودوا أبداً؟ تحدث مسؤول رفيع في مجلس الأمن القومي عن الأكاذيب التي بثها زملاؤه: كانت تفسيرات خاصة بهم. على سبيل المثال، هجمات [طالبان] تزداد سوءاً؟ هذا يعني وجود المزيد من الأهداف التي يمكنهم إطلاق النار عليها، لذا فإن المزيد من الهجمات مؤشر خاطئ على عدم الاستقرار. ثم، بعد ثلاثة أشهر، لا تزال الهجمات تزداد سوءاً؟ كل هذا كان سراً مكشوفاً في الوزارات ووزارات الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا».
 ويضيف: «في أكتوبر 2014، اعترف وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون بارتكاب أخطاء عسكرية، كما أشار إلى ارتكاب السياسيين أخطاء في ذلك الوقت، وهذا يعود إلى عشرة أو ثلاثة عشر عاماً... بعد أربع سنوات، أعادت رئيسة الوزراء تيريزا ماي نشر القوات البريطانية في أفغانستان، وضاعفت مقاتليها للمساعدة على معالجة الوضع الأمني ​​الهش. في الوقت الذي استيقظ فيه المخططون العسكريون الأمريكيون ببطء على الواقع، لا يزال مستشاروهم البريطانيون متمسكين بصورة خيالية عن أفغانستان. يجادل البعض بأن الانسحاب سيعرض الأمن في أوروبا للخطر، حيث تعيد القاعدة تنظيم صفوفها في ظل الإمارة الإسلامية الأفغانية الجديدة. لا يمكن لهذا الترويج للخوف أن يعمل إلا في مستنقع من الجهل. بالنسبة للجمهور البريطاني، على الأقل، لا يبدو أنه قد قطع الطريق. يضغط التاريخ أحياناً على حقائق ملحة على بلد ما من خلال عرض حي للحقائق أو فضح النخب. من المرجح أن يكون الانسحاب الحالي إحدى هذه اللحظات.

1

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
جيفري أ.فريدمان
1
إليزابيث بورجواردت. كريستوفر ماكنايت. نيكولز أندرو بريستون
2
روبرت ج.باتمان، باتريك كولنر، بالاز كيجليكس
2
ألكسندر بيتس

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
سوزان روز أكرمان
1
دانيال إس ماركي
2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش
1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف