ليبيا والديمقراطية.. بين الممكن والمستحيل

00:19 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

عندما جرى تحديد يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول الحالي موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية، أي بعد أسبوع واحد فقط من الآن، كان التساؤل المهم بهذا الخصوص: هل الديمقراطية ممكنة الآن في ليبيا؟
 سؤال واحد يحمل في طياته العشرات من الأسئلة منها.. هل الانتخابات الرئاسية وما يعقبها من انتخابات برلمانية في فبراير/ شباط المقبل كما هو مقرر أيضاً ممكنة أم هي محتملة أم مستحيلة؟ والأسباب كثيرة لطرح مثل هذا السؤال، منها استمرار حالة التوتر والصراع على السلطة بين كل الأطراف الداخلية وعمق تدخل وتورط الكثير من الأطراف الدولية والإقليمية في الأزمة الليبية، وغياب ما يمكن أن نسميه ب «توازن المصالح» لكل هذه الأطراف في إجراء هذه العملية الانتخابية بما تعنيه من دخول ليبيا بعد عشر سنوات من الصراع إلى دائرة الاستقرار.
 فالصراع مازال مصلحة لكثير من الأطراف خصوصاً الأطراف الدولية والإقليمية التي شارك بعضها في إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، والتي تلقف بعضها الآخر حالة الفوضى التي عمت البلاد وعنف الاقتتال ودمويته بين كل الأطراف، ومن ثم فهي بدافع من هذه المصلحة ليست مع إجراء الانتخابات وليست مع الاستقرار، بدليل حرصها على إبقاء جماعات «المرتزقة» التي تقاتل لصالحها وتمولها أطراف أخرى لها مشروعها في ليبيا ولها مصالحها.
 حتى أيام قليلة كان السؤال مازال قائماً حول هل تجرى الانتخابات في موعدها المقرر أم تؤجل إلى موعد لاحق، ومعنى استمرار هذا السؤال أن الأمل كان مازال قائماً، لكن بكل أسف تنجرف الكثير من الآمال لتتحول إلى أحلام، وسرعان ما تتحول إلى أوهام، وهذا هو حال الإجابة عن هذا السؤال حتى لو أعلنت مفوضية الانتخابات أسماء المرشحين الذين سيخوضون التنافس على منصب رئاسة الدولة بعد اكتمال ونفاد دورة الطعون، لأن أسبوعاً واحداً لا يكفي بأي حال من الأحوال للحملات الانتخابية للمرشحين، واستكمال كل ما هو مطلوب لخوض الانتخابات.
 أصحاب النوايا الحسنة من شخصيات وطنية وقوى وأحزاب وجماعات سياسية كانوا قد أصدروا بياناً منذ نحو أسبوع عنوانه: «لا للتأجيل» حيث دعا 19 حزباً وكياناً سياسياً إلى الرفض التام لأية محاولة لتأجيل موعد إجراء الانتخابات، ولم تنس هذه الأحزاب والكيانات أن تؤكد أنها «تتابع بقلق شديد محاولات عرقلة وتعطيل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتأخيرها عن موعدها المقرر»، لكنها لم تقل ماذا ستفعل لمنع تأجيل الانتخابات وتسويفها، ولم تحدد بصراحة وجرأة من هي الأطراف صاحبة المصلحة فى التأجيل وما هي أهدافها؟ وكيف سيكون الرد إذا تحول التأجيل من رغبة إلى واقع عملي مفروض؟ من سيحاسب من؟
 هذا هو السؤال الصعب الآن في ليبيا: من سيحاسب من؟ في ظل حالة «الموزاييك السياسي» الذي يحكم تفاعلات الطبقة الحاكمة الآن في ليبيا، سواء من يحكمون فعلاً ومن يعارضون. بالتأكيد ليست المفوضية العليا للانتخابات هي المسؤول الحقيقي عن تأجيل إجراء الاستحقاق في حال حدوثه، هناك قوى أخرى نافذة في دوائر الحكم الليبية سواء كانت رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وحكومته وأعوانه وحلفائه في الداخل والخارج، أو أطرافاً أخرى مازالت ترى أن من مصلحتها أن تبقى ليبيا في حالة عدم توازن وعدم استقرار سياسي، لتغييب موعد محاسبة الذين أجرموا ويجرمون في حق الشعب والوطن، الذي سيكون مهدداً عندما يواجه حالة خطيرة من «فراغ السلطة» عند تأجيل الانتخابات، حيث إن رئيس الحكومة من المفترض أنه لن يبقى في منصبه منذ لحظة ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كان قد أكد أنه لن يخوضها، لكن سرعان ما اندفع في أتونها بعد أن صدم بدخول أعدائه حلبة التنافس الرئاسي خاصة المشير خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي.
 رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السايح كان قد عبّر منذ أيام قليلة عن قلقه من احتمال تأخر الموعد المقرر للانتخابات الرئاسية والبرلمانية وأرجع سبب ذلك إلى ما أسماه ب «الأجواء السياسية الحالية في البلاد»، من دون أن يحدد بدقة هذه الأجواء التي يرى أنها السبب وراء الدفع بخيار تأجيل موعد الانتخابات، لكنه اكتفى بالمطالبة بضرورة التوافق بين السياسيين حول العملية الانتخابية. 
 محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة الجارديان البريطانية باتريك وينتور الذي كان قد أكد منذ أيام «تراجع فرص إجراء الانتخابات الرئاسية الليبية» أشار إلى أن «شكوكاً قانونية» تساور مفوضية الانتخابات هي التي منعتها من إعلان قوائم أسماء المعتمدين لخوض تلك الانتخابات.
 يبقى أن نسأل.. ما مدى صحة ذلك؟ وأين القضاء الليبي من هذا المأزق السياسي؟ فالأمر الأكثر ترجيحاً أن قوى نافذة في السلطة الليبية حتماً لها من يدعمها من القوى الدولية والإقليمية مازالت ترى في عدم الاستقرار السياسي والأمني داخل ليبيا مصلحة لها، ما يعني أن ولوج ليبيا معترك الحكم الديمقراطي بما يحققه من استقرار سياسي مازال مستحيلاً في ظل عدم الحسم الداخلي في ليبيا لصالح قوى وطنية تؤمن بالديمقراطية والمشروع الوطني الليبي وقادرة على تحقيقه.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"