القاهرة: بسيوني الحلواني

لا تتوقف مطالبات بعض المعنيين بحقوق المرأة في بعض الدول بالمساواة بينها وبين الرجل في الميراث ويعتبرون هذا المطلب من جوهر التجديد الديني، فقد تغير حال المرأة في هذا العصر- من وجهة نظرهم- وأصبحت تشارك الرجل في العمل والإنتاج والمساهمة في نفقات الأسرة، ولم تعد مهامها تقف عند رعاية الأسرة كما كانت في الماضي. مطلب المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة يظهر ثم يختفي ثم يعود من جديد، ورفضت المؤسسات التشريعية والإسلامية في معظم دول العالم الإسلامي مطلب المساواة في الميراث؛ وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية.

تساؤلات كثيرة نتعرف إلى إجابات واضحة لها من خلال نخبة من كبار علماء الأزهر الشريف.

يؤكد د. عباس شومان أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر والمشرف العام على مؤسسات ولجان الإفتاء بالأزهر، أن كثرة الإلحاح على المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث تمثل خللاً فكرياً ينبغي أن يتوقف، وهو مطلب غير عقلاني وغير شرعي، وترفضه النساء قبل الرجال في عالمنا الإسلامي كله وليس عالمنا العربي فحسب.

ويضيف: بعض المعنيين بحقوق المرأة يصدرون أحكاماً عشوائية دون التعرف إلى حقائق الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة، ولذلك هم يرون أن أنصبة الوارثين تحتاج إلى اجتهاد جديد أو تجديد، وينطلق هؤلاء في تبني هذا المطلب من اعتقاد خاطئ يزين لهم أن تمييز الرجل في بعض مسائل الميراث ضد العدالة والمساواة، وأن ذلك لم يعد مناسباً للزمان والمكان وأعراف الناس، دون نظر إلى قبول هذا الأمر لاجتهاد جديد من عدمه.

ويؤكد د. شومان أن المطالبين والمطالبات بتسوية المرأة في الميراث بالرجل يرون أن الحكم الوارد في كتاب الله في قوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين...» لا يناسب الزمان، وذلك بعد التغيرات الكبيرة التي طرأت على حال المرأة؛ حيث خرجت للعمل، وأصبحت تتحمل من الأعباء المالية في بعض الأحوال كالرجال وربما أكثر.

ويضيف: لو رجع هؤلاء إلى حقائق التاريخ الإسلامي لوجدوا أن كثيرات من النساء كن سيدات أعمال بمفهوم عصرنا الحاضر، فنعرف من كتب سيرة الحبيب مثلاً أن السيدة خديجة بنت خويلد كانت من ذوات المال، وأن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم عمل في مالها مضاربة قبل بعثته؛ حيث سافر به إلى الشام، وفور عودته محققاً ربحاً لم تعهده من قبل، سواء أكان بسبب مهارته التجارية، أم بسبب أمانته وعدم كتمانه لشيء من الربح كما يفعل بعض العاملين في تجارات غيرهم، وسعت بنفسها للزواج منه، ولم نر رسولنا استثناها أو غيرها من صاحبات المال المنفقات من حكم كتاب الله الذي جعل للذكر مثل حظ الأنثيين في مسائل أربعة فقط.

ويضيف د. شومان: يجب أن يتوقف هؤلاء عن البحث عن علة لتبرير ما يطالبون به، فأمور الميراث من «الثوابت الشرعية» التي لا يجوز المساس بها وهي عدالة الخالق في خلقه في كل العصور والأزمنة.. ويذكر الجميع بقول الحق سبحانه: «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون».

قضية محسومة

د. حسن الصغير الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر، يؤكد أن هيئة كبار العلماء سبق وفتحت نقاشاً فقهياً مستفيضاً حول مسألة المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، والتي ثار حولها الجدل، وأكد كبار علماء الأزهر أن قضية الميراث من القضايا المحسومة بثوابت شرعية لا يجوز تعديلها أو تغييرها.

ويضيف: قضية الميراث قضية شرعية قطعية معلومة من الدينِ بالضرورة وليست قضية فكرية تحتمل الرأي والرأي الآخر، لذلك لا يجوز الجدل والخلاف حولها؛ بل على الجميع أن يقول «سمعاً وطاعة» لما حسمه القرآن الكريم من تقسيم محكم للمواريث، خصوصاً فيما يتعلق بنصيب المرأة فيه؛ حيث ورد ذلك في آيتين محكمتين من كتاب الله المجيد في سورة النساء.

والمؤسف في مطالب البعض بالتسوية بين الذكر والأنثى في الميراث أنها- كما يقول الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر- تعطى انطباعاً للبعض بأن الإسلام قد جار على حقوق المرأة أو انتقص من هذه الحقوق، وهذا أمر فيه التجني على الشريعة الإسلامية التي فصلت الحديث عن كافة حقوق الرجل والمرأة: مادية كانت أم مدنية واجتماعية ونفسية، ولم تترك أمراً يمكن أن يحدث فيه نزاع أو خلاف بين الزوجين في أي عصر من العصور إلا وحسمته وأوضحته.

ويضيف: لو دقق هؤلاء النظر في تفاصيل مسائل الميراث لتوقفوا عن إثارة الجدل حولها والتشكيك في عدالة الإسلام، فصور ميراث المرأة تحمل كثيراً من التفاصيل التي لا يدري عنها هؤلاء شيئاً، فالمرأة قد تأخذ في بعض الحالات أكبر من نصيب الرجل؛ بل أحياناً ترث ولا يرث الرجل.

ويؤكد د. الصغير أن التجديد يكون في الخطاب وليس في ثوابت الشريعة، والاجتهاد لا يكون إلا في الأمور الاجتهادية، ذلك أن النصوص الشرعية منها ما يقبل الاجتهاد عن طريق أهل العلم وهم هنا أهل الاختصاص الدقيق في علوم الشريعة، ومنها ما لا يقبل ذلك، فالنصوص إذا كانت قطعية الثبوت والدلالة معاً، فإنها لا تحتمل الاجتهاد، ولا تقبل التغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، وذلك مثل آيات المواريث الواردة في القرآن الكريم، والتي يمنع العبث بها، ولذلك يجب أن يعلم الجميع أن تحديد أنصبة الوارثين أمر قرره الخالق سبحانه، وليس لأحد حق تعديله أو تغيير شيء فيه، وعلى الجميع أيضاً أن يحترم ما قررته الشريعة من أحكام ثابتة، بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة في أي أمر آخر، فلا مجال فيها للاجتهاد، ولذلك يختتم الحق سبحانه الحديث عن المواريث في القرآن الكريم بقوله: «فريضة من الله» وقوله سبحانه: «تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار وذلك هو الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين».

مخالفة للشريعة الإسلامية

يؤكد د. مجدي عاشور أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية أن المساواة المطلقة في الميراث بين الرجل والمرأة مرفوضة في ميزان الشرع، لأنها مخالفة للشريعة الإسلامية وإجماع العلماء على مر العصور.. ويقول: كيف يقول الحق سبحانه:«يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين»، ويأتي من يقول نسوى بينهما؟

ويضيف: النصوص القرآنية الواضحة والحاسمة فرضت استحقاق الرجل مثل حظ الأنثيين؛ ولذلك لا يجوز النقاش حول قضية الميراث لأنها حسمت بآيات قطعية الثبوت والدلالة، ففي ميراث الابن مع البنت يقول سبحانه: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»، وفي ميراث الأخت الشقيقة أو لأب مع أخيها الذي في درجتها وقوة قرابتها: «وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».

ويشدد أمين الإفتاء أنه لا اجتهاد في النصوص التي هي قطعية الدلالة قطعية الثبوت؛ إذ إن تلك النصوص المقطوع بدلالتها وثبوتها تعد من ثوابت الشريعة، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت من ناحية آياته، وهو يشمل آيات كثيرة دلالتها قطعية لا شك فيها، ولا تحتمل ألفاظها إلا معنى واحداً ينبغي أن تحمل عليه، والاجتهاد في مثل تلك الحالات يؤدي إلى زعزعة الثوابت التي أرساها الإسلام.

ويوضح د. عاشور، أن الشريعة الإسلامية لم تهدر حقاً للمرأة؛ بل هي حريصة على مساواة الرجل بالمرأة في مجمل الحقوق والواجبات، وقد بينت لنا الشريعة الغراء أن التمايز في أنصبة الوارثين والوارثات في بعض المسائل لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة، وإنما هو راجع لحِكَم إلهية ومقاصد ربانية خفيت عن هؤلاء الذين جعلوا التفاوت بين الذكور والإناث في بعض مسائل الميراث وحالاته شبهة على عدم كمال أهلية المرأة في الإسلام، فالمرأة في نظر الإسلام وشرعه كالرجل تماماً، لها ما للرجل من الحقوق، وعليها ما عليه من الواجبات.