إذا جرت الانتخابات التركية الآن !

00:16 صباحا
قراءة 3 دقائق

لا يكاد يمر يوم إلا تنتج «معامل» استطلاعات الرأي في تركيا استطلاعاً جديداً حول مختلف القضايا. ولا شك أن الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في ربيع 2023 لها حصة الأسد من هذه الاستطلاعات. ومع أن الانتخابات الرئاسية كما النيابية ستجري في وقت متزامن بعد سنة ونصف السنة، غير أن الاستطلاعات التي تظهر يومياً وأسبوعياً تكاد تعطي انطباعاً أن الانتخابات ستجري غداً أو هذا الأسبوع.
وهذا أصبح من الأمور الطبيعية منذ ربيع 2019؛ حيت جرت الانتخابات البلدية العامة وأسفرت عن مفاجآت كبيرة مع خسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم رئاسة بلديات كبرى مثل إسطنبول وأنقرة كانت بيده منذ ربع قرن وبفارق كبير من الأصوات لصالح مرشحي حزب الشعب الجمهوري المعارض مدعوماً من أحزاب المعارضة الأخرى.
 وقد أثارت هزيمة الحزب الحاكم يومها شهية القوى المعارضة لتكثف من حينها الحملة على رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان، لاستغلال ما جرى لتوجيه ضربة قاضية له في الانتخابات الرئاسية والنيابية المقبلة.
وكتعبير عن التراجع في شعبية أردوغان، فإن حزبه لم ينل للمرة الأولى منذ عام 2002 الأكثرية المطلقة في البرلمان وحاز 292 من أصل ستمئة مقعد. وهذا كان مثار بداية توطيد العلاقات مع حزب الحركة القومية اليميني المتشدد والذي له أكثر من أربعين نائباً لتحظى مشاريع القوانين التي يقدمونها بالغالبية المطلقة أي أكثر من 300 صوت.
 أي إن السلطة الآن في تركيا محكومة بالشراكة بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية بخلاف ما كانت عليه من تفرد لحزب العدالة والتنمية في السنوات ال 18 الماضية.
 وهذا كان في الحقيقة بداية زواج حتى الآن متين بين الحزبين وزعيميهما رجب طيب أردوغان ودولت باهتشلي. وهو الأمر الذي تحقق بداية في ما سمي «تحالف الجمهور» في انتخابات الرئاسة والنيابة عام 2018 ثم في الانتخابات البلدية عام 2019.
 الأنظار كلها متجهة منذ الآن إلى انتخابات عام 2023. وإذ تطالب المعارضة بانتخابات رئاسية ونيابية مبكرة، يرفض أردوغان- باهتشلي ذلك باعتبار أن الظروف الحالية غير مؤاتية وتعكس بحسب استطلاعات الرأي هزيمة محققة ل«تحالف الجمهور».
 الصورة الحالية للخريطة المحتملة للانتخابات الرئاسية والنيابية تبدو واضحة جداً. من جهة هناك «تحالف الجمهور» الذي يضم حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية. الأول سينال 30 في المئة من الأصوات بتراجع لا يقل عن عشر نقاط عن الانتخابات الماضية. والثاني سينال بحدود 8-9 في المئة بتراجع أكثر من خمس نقاط، وبمجموع كلي يقارب ال 39-40 في المئة من الأصوات.
 في الجهة المقابلة هناك «تحالف الأمة» المعارض الذي يضم حزبي «الشعب الجمهوري» العلماني والحزب «الجيد القومي» الذي انشق قبل سنوات عن حزب الحركة القومية وتجاوزه في حصد شعبية كبيرة. استطلاعات الرأي تعطي حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كيليتشدار أوغلو حوالي 25 في المئة والحزب الجيد بزعامة مرال آقشينير حوالي 14-15 في المئة. وبالتالي نحن أمام تحالف قومي- إسلامي مقابل تحالف قومي- علماني.
 الأرقام التي تعطيها استطلاعات الرأي لا تعطي مرشح أي من التحالفين غالبية للفوز؛ بل يكادان يتعادلان في مجموع الأصوات. وهنا تبرز أهمية التكتلات الحزبية الأخرى.
 يأتي في مقدمة هذه التكتلات حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي يعكس توجهات غالبية الأكراد وتعطيه استطلاعات الرأي نسبة شبه ثابتة وهي عشرة في المئة، علماً بأنه ممثل في البرلمان بأكثر من خمسين نائباً. وبالتالي فإن أي خيار يتخذه الحزب في تأييد أحد مرشحي التحالفين سيعطيه أفضلية كبيرة جداً للفوز. ولا شك أن الحزب الكردي معارض شديد لأردوغان وهو حتماً لن يعطيه أصواته. لكنه في الوقت نفسه لن يعطي أصواته تلقائياً لمرشح آخر غير منفتح على المطالب الكردية.
 تبقى كتلة رابعة من أحزاب صغيرة سيكون لها وزنها الكبير عندما تتوقف النتائج على نقطة أو نقطتين. وهي أحزاب «المستقبل» التابع لأحمد داود أوغلو و«الحرية والتقدم» لعلي باباجان و«الوطن»(مملكت) لمحرم اينجه وحزب «السعادة الإسلامي» وتعطي الاستطلاعات بحدود 2-3 في المئة لكل حزب. وكلها ما عدا حزب السعادة معارضة لأردوغان.
 بناء على ذلك وفي ضوء المعطيات الحالية، فإن رجب طيب أردوغان سيحتاج للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة إلى معجزة قد تتحقق في حالة واحدة: تشرذم المعارضة.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"