القوة الناعمة ودعم السياسة الخارجية

00:00 صباحا
قراءة 3 دقائق

هذه القضية التي اجتمع لمناقشتها أربعمئة شخص، منهم من يمثلون المبدعين في مجالات الثقافة والفنون بكل فروعها، ومنهم المختصون بالسياسة العامة للدولة (في الولايات المتحدة)، أطلقوا على مهمتهم وصف: العمل على كسب القلوب والعقول، عن طريق القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية. واختاروا لاجتماعهم عنوان: «تحديات القرن الواحد والعشرين: الفنون والدبلوماسية».
 وإذا كان هذا المؤتمر انعقد ليناقش الحالة الثقافية في الولايات المتحدة، وعلاقتها بدور الدبلوماسية. إلا إنه يبقى أن تلك القضية لا ينحصر الاهتمام بها داخل حدود دولة بعينها، بل إنها تتعلق بدول أخرى في العالم، خاصة تلك التي كانت الثقافة فيها بشمولها لمختلف فروع الفنون – من مسرح، وسينما، ورواية، وفكر، وغناء، وموسيقى، تعد في مراحل معينة من تاريخها، من حيث كونها حالة ثقافية، هي الروح النابضة بالحياة والحيوية للدولة وللمجتمع، وقوة دافعة في الالتزام بالقيم الرفيعة في العلاقات وفي السلوك. حتى إنها تخطت حدود دولتها، لتحدث تأثيراً حضارياً، يجمع بينها وبين الدول الأخرى.
 وإذا تأملنا ما جرى في المؤتمر الذي عقد بوزارة الخارجية في واشنطن منذ فترة، نجد من قالوا إننا جميعاً نعرف أن الحكومة الأمريكية كانت أعلنت عند انتهاء الحرب الباردة، أنها الفائز في المعركة العالمية لكسب القلوب والعقول. ونتيجة لاقتناعها بذلك، فقد بادرت بتخفيض ميزانية الدبلوماسية العامة للدولة. إلى أن فاجأها الهجوم الإرهابي على برجي مركز التجارة العالمي في عام 2001، فسارعت إلى زيادة تمويل الميزانية الفيدرالية، لنشاطات الثقافة والفنون، إدراكاً منها أن تلك مجالات تتعلق بقضايا الأمن القومي.
 وفي ضوء هذه الواقعة، كان اللقاء الجامع للدبلوماسيين، ومعهم المبدعين في فروع الفنون بتنوعاتها، تحت عنوان لقاء كسب القلوب والعقول، وأن ذلك يتم عن طريق القوة الناعمة ممثلة في الدبلوماسية الثقافية، ومن خلال نظرة أوسع لدور الفنون لكونها نشاطاً ثقافياً. من ثم كان الحضور من المبدعين في مجالات الرواية، والمسرح، والموسيقى، والغناء، والمتاحف، والفن التشكيلي، من أصحاب الإبداعات التي تخاطب الروح والعقل.
 والملاحظ أن هذه الأفكار سبق أن طرحها وزراء خارجية أمريكا السابقين في مؤتمرهم في مطلع القرن الواحد والعشرين، ويومها اتفقوا على أن الثقافة، لا بد أن تكون جزءاً مكملاً للدبلوماسية، كشريكين في دعم مسيرة السياسة الخارجية. وكان لفت أنظارهم وقتها ما لحق بسياسة بلادهم الخارجية، من عثرات وأخطاء، بسبب نقص ثقافة صناع القرار، وضآلة معرفتهم بالدول والشعوب التي طبقت فيها سياساتهم. وكانت دعوتهم للتعرف إلى ثقافة، وتقاليد، وعادات وظروف شعوب هذه البلدان.
 ولوحظ في الكلمة الافتتاحية القول، بأننا نحن المجتمعين هنا اليوم، لسنا فقط المختصين بأمور السياسة، فإلى جانب دورنا هذا، فإن لدينا ثقافتنا، وفنوننا، ولهذا كان المبدعون الحاضرون معنا اليوم، هم شركاءنا في ما اجتمعنا اليوم من أجله.
ودارت المناقشات لتتناول محاور عدة حول الأعمال الدرامية في السينما والتلفزيون، ودورها في رفع وعي المواطن داخل الدولة وخارجها، بما يعزز أهداف السياسة في تقوية أواصر التفاهم المتبادل بين الدول والشعوب الأخرى. 
 وحيث تعد الفنون الراقية قوة دعم للحكومة في جهودها للتواصل مع مجتمعات في الخارج، فيجب أن تكون النشاطات الفنية بما فيها المسارح، والمتاحف، والفنون التعبيرية، مكملة لدور الدبلوماسية العامة، من حيث التواصل بينهما.
 ولا بدّ أن تكون الدبلوماسية الثقافية مكوناً أساسياً لاستراتيجية الدولة، لتعزيز أمنها القومي، من خلال مد جسور التفاهم المتبادل، ما يدفعنا لأن ندعو حكومتنا (الأمريكية) للتعامل بجدية مع الثقافة بمعناها الكلي. لأن ذلك يجعل الشعوب الأخرى تنظر بجدية إلى ثقافتنا. ثم إن التكامل بين السياسة العامة، وبين السياسة الثقافية والفنون، يدعم مبادراتنا ودورنا الدبلوماسي، كما أن تقليص دور الفنون والثقافة، والدبلوماسية الثقافية، يحرمنا من أفضل مواردنا التي تقوّي مصالحنا القومية.
 وكان تعبير كسب القلوب والعقول مقصوداً للمعنى المستهدف منه، والذي لا يجعل عمل الدبلوماسي قاصراً على علاقته مع الدولة التي يمثل بلده فيها، لكنه يستهدف الوصول إلى شعب وجماهير تلك الدولة. ولعلنا لاحظنا في السنوات الأخيرة كيف إن سفراء عدد من دول أوروبا والولايات المتحدة، وسعوا من نطاق حركتهم بالنزول إلى مدن أخرى في الدولة، وليس في العاصمة وحدها، وحضورهم تجمعات فكرية وفنية، في نشاط يتخطى ما كان مألوفاً بالنسبة إلى دور الدبلوماسية العامة والسياسية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"