الهجرة.. وبؤس العالم

00:04 صباحا
قراءة 3 دقائق

المطّلع على الخريطة السياسية والأيديولوجية في الدول العربية سيجد الكثير من الظواهر المثيرة للحيرة، من انشطارات الأمكنة والأزمنة، وتفسخ القيم، وتوالي الحروب الأهلية التي تفتقر لأي مبرر عقلاني وتسفر عن مصائب إنسانية لا دور للأخلاق في منع تداعياتها وحصر آلامها. 
وما إن زادت أهوال الناس، وزاد قهرهم، وانتشر بؤسهم في هذا العالم، حتى بدأت موجات اللجوء والهجرة والضياع على حدود الدول الأوروبية، تتوالى كالموج المتدفق، معظمهم من دول الشرق الأوسط المسلمة. سيمفونيات من المصير الأسود القاتم في حلقة مفرغة، من بقي منهم لا سبيل أمامه للفرار، يصبح أسير القتل والفقر والمرض والجهل، واستباحة المال والعرض والكرامة. ومن ظن أن حظه أسعده بالخروج من جحيم النيران، يجد نفسه عالقاً في أحضان المجهول الذي لا يرحم طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة. كانت قبورهم تنتظرهم في أعماق البحار عبر قوارب الموت التي لا ترحم أحداً، رحلوا جميعاً، أسراً وأفراداً، شيباً وشباناً، نساء وأطفالاً. ماتوا غرقاً في مجاهل الإنسانية، عبثاً بين ثنائية الحياة والموت.
ومن أسعده حظه بالنجاة من قوارب الموت بعد صراع شرس مع الأمواج العاتية، والظروف القاسية، خاض قهراً آخر عبر الغابات ومطاردات جنود حرس الحدود، حيث الأسلاك الشائكة، ونيران حرس الحدود التي لا ترحم. وانتهى بهم المطاف في خيام تتقاذفها الثلوج والرياح العاتية في ظروف مناخية على حدود دول أوروبا الجنوبية والشرقية، في صراع من أجل البقاء، وشعور بالعجز والقهر والوجع تجسيداً لكل عدالة مسحوقة، وآلاف العدسات تنقل للعالم وجوهاً شاحبة أرهقها الجوع والبرد والخوف؛ وجوهاً إنسانية لا أصوات لزفراتها، ولا استنطاق لآهاتها. 
الأصوات تخترق الآذان، ولكن لا تتبين الأجساد. نظرات حسيرة من عيون زائغة تترقب الموت بين الفينة والأخرى، لا بصيص من أمل في النجاة من هذا المصير القاتم.
تمثل تلك النظرات أصدق تعبير عن المواقف العبثية للفرد أمام حتمية الموت وسقوط جدوى الوجود، التي تسود زيف التجربة الإنسانية، وجوهر الإنسان في عرائه الدائم في مواجهته لحقيقة وجوده المجهول، عبر تحسسه وتلمّسه لتلك القسمات والتقاطيع، وهي تفاصيل ألم تعكس القلق الكبير الذي يرسمه وجود الإنسان في الحياة.
إن تشرد الشعوب العربية يعكس فكرة النهايات في سياق تفتيت الدول، والتحذير من تحولات كبرى، وتوقعاتها تتضمن نهايات مأساوية، أو عدم صلاحية الإنسان العربي لنظريات وأيديولوجيات الشمولية الكبرى، والتقنية الحيوية، والتقنية السيبرانية، والروبوتات والذكاء الاصطناعي، في سياق العملية التطورية الكونية إزاء التردي الحضاري للمجتمعات العربية منذ مطلع العصور الحديثة، في مجالات التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، الذي لم يرتق بالعقل العربي نحو التنوير والتطور، وإنما الميل إلى الركود والتكاسل والغرور والنزعة الراديكالية. 
وبعيداً عن ذلك يعيش ما يقارب 15 مليون نسمة من العرب والمسلمين بعيداً عن أوطانهم، حيث تستمر موجات الهجرة بسبب الرغبة في العيش الكريم الذي لا يحصل عليه معظم العرب والمسلمين في بلادهم. 
لكن ما هو تأثير موجات الهجرة المستمرة على أوروبا؟ الواقع أن الهجرة تقلق الأوروبيين، ولاسيما غير الشرعية منها، والتي تحاول دول أوروبا منعها بشكل كامل، لكن الهجرة الشرعية التي تتم وفق قوانين وإجراءات الهجرة المعروفة، فإن أغلبية دول أوروبا، وربما أغلبية الدول الغنية في العالم تطلبها؛ لأنها تسهم في دعم عملية النمو، وتوفير أيد عاملة جديدة، لكن لن يكون لهجرة العرب والمسلمين أي تأثير في مجتمعات الغرب؛ بل العكس، فإن القوانين الموجودة في تلك الدول تدفع بالمهاجرين العرب والمسلمين إلى الاندماج في نمط الحياة الغربي بشكل كامل، وهذا سيجعل الأجيال القادمة من أولئك المهاجرين يفكرون بنفس طريقة تفكير الغربيين، ما يؤدي إلى ذوبان هؤلاء في النسيج المجتمعي الغربي، وبهذه الطريقة تخسر الدول العربية شبابها، وتكسبهم دول الغرب كفاعلين اقتصاديين فيها.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"