عادي

أفغانستان.. من الخوذة الأمريكية إلى عمامة «طالبان»

عام انتهاء الحرب وبدء التحديات الاقتصادية والاجتماعية
00:45 صباحا
قراءة 7 دقائق
1
2
لاجئون من أفغانستان في باكستان في الأول من سبتمبر الماضي (رويترز)

عندما انسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان ليلة الثلاثين من أغسطس 2021، كان وقع الحدث كبيراً تزامن مع انهيار الحكومة السابقة برئاسة أشرف غني، لتبدأ لاحقاً مرحلة من الصعوبات والمآسي والتساؤلات، تتعلق أساساً بمصير هذا البلد الذي عاش أكثر من أربعة عقود في حروب متواصلة بدءاً من الغزو السوفييتي وانتهاء بالغزو الأمريكي وما بينهما من حروب أهلية دمرت مقدرات الأفغان وجعلت الملايين منهم نازحين ولاجئين بلا أفق.

بعد سيطرة حركة «طالبان» على السلطة وفرض سيطرتها على كابول، انفجرت قضايا عديدة تتعلق بمستقبل أفغانستان، وسط تشكيك في قدرة الحركة المتمردة السابقة على إدارة الدولة. فمنذ اليوم الأول، بدأت المصاعب والتحديات على مختلف الصعد، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وما حدث في مطار كابول في الأيام الأولى بعد الانسحاب الأمريكي، سبّب صدمة للعالم بأسره، إذ أظهرت مشاهد آلاف المواطنين الأفغان يتشبثون بطائرات مدنية وعسكرية، في محاولة للفرار من البلاد. وأظهرت لقطات فيديو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد من الفوضى العارمة على مدرج المطار حيث حاول أفغان مذعورون تسلق السلالم المؤدية إلى الطائرات، خوفاً من العيش تحت سلطة النظام الجديد، ومن أفظع ما تم تداوله فيديو يظهر سقوط 3 أشخاص بعدما تشبثوا بعجلات طائرة في مطار كابول، إذ تم نقل أكثر من 120 ألف أفغاني جواً من مطار كابول في الأسابيع الأخيرة الفوضوية للوجود الأمريكي، وهم بأغلبيتهم أشخاص عملوا مع دول أو شركات أجنبية لإدارة مليارات الدولارات من المساعدات لمدة 20 عاماً التي دعمت ميزانية الدولة إلى حد كبير.

صور في الذاكرة

صور مطار كابول رسخت في ذاكرة العالم دقات ناقوس الخطر بخصوص مستقبل أفغانستان، على الرغم من المرونة التي بدت عليها «طالبان» وتقديمه صورة مختلفة عن عهد حكمها السابق بين عامي 1996 و2001. وها هي الحركة تعيد السيطرة مجدداً على أفغانستان، في تطور دراماتيكي بدأ من منتصف أغسطس وتم بسرعة كبيرة فاجأت الجميع، حتى الحركة نفسها لدرجة أن الكثير من الأفغان ظلوا يتساءلون، وما زالوا، عما حدث بالضبط وعما سيحمله المستقبل.

وبالنسبة إلى «طالبان»، يتمثل التحدي الرئيسي في تحويل تمرد مقاتلين غير متعلمين بمعظمهم إلى إدارة قادرة على قيادة بلد معقد ومتنوّع. وبالنسبة إلى الغرب، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي، ثمة خوف مزدوج، من رؤية البلاد تنزلق أكثر إلى براثن البؤس، ما يدفع عشرات الآلاف من الأفغان إلى الفرار من البلاد، وأن تعود أفغانستان مرتعاً لجماعات إرهابية مثل تنظيم «القاعدة». أمّا بالنسبة إلى المواطنين الأفغان، فسيكون الحصول على الغذاء والمسكن والعمل أولوية، فيما تتحمل النساء خاصة وطأة السياسات الاجتماعية الجديدة، وما يمكن أن تحمله من مفاجآت. وفي هذا السياق، تقول المحللة كايت كلارك، في تقرير نشرته شبكة «أفغانستان أناليستس نتورك»، إن «عواقب تغيير النظام كانت فورية وكارثية». وتضيف، بحسب ما نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية، أن الانتصار العسكري أتى سريعاً جداً لحركة طالبان «التي لم يكن لديها خطط لإدارة البلاد من دون مساعدة خارجية». وتستطرد «عندما كانت حركة متمردة، فرضت ضرائب على سكان المناطق التي تسيطر عليها، وتركت الخدمات العامة في أيدي الحكومة ومنظمات غير حكومية»، ممولة إلى حد كبير عبر مساعدات دولية. وتضيف كلارك «هي الآن في السلطة.. على رأس دولة ذات دخل منخفض بشكل كبير، فيما يجب أن تهتم بمجموعة كاملة من السكان»، الذين يعدّون قرابة 40 مليون نسمة.

مشكلة في الإدارة

ويُشكل انهيار الإدارة أكبر المشكلات التي تواجه سلطة «طالبان»، فلا تستطيع حكومتها المحرومة من المساعدة الدولية، الاعتماد فقط على مواردها الخاصة والضرائب وعائدات الجمارك. وهي أعلنت في نهاية نوفمبر أنها ستدفع رواتب الموظفين الحكوميين الذين لم يتلقوا أي راتب منذ أشهر، وهو أمر ثبّط عزيمة كُثر بينهم. ويقول، حضرة الله، وهو موظف كبير في وزارة الخارجية، فضل عدم كشف اسمه الكامل «أذهب إلى المكتب كل صباح، لكن لا يوجد شيء أفعله. في السابق كنت أتفاوض على اتفاقات تجارية مع الدول المجاورة. لكن الآن ليس لدينا أي تعليمات، لا أحد يعرف شيئاً». وفي الكثير من الوزارات، قلة من مسؤولي «طالبان» تعرف طريقة استخدام الكمبيوتر على ما يبدو.وفي محاولة من المجتمع الدولي لإظهار بعض الدعم، أعلن البنك الدولي، يوم 10 ديسمبر الحالي، أن المساهمين في «صندوق إعادة إعمار أفغانستان» قرروا تحويل 280 مليون دولار كمساعدات في مجالات التغذية والصحة لأفغانستان، قائلاً إن «هذا القرار هو الخطوة الأولى لإعادة تخصيص الأموال في صندوق إعادة إعمار أفغانستان لتقديم مساعدات إنسانية للشعب الأفغاني في هذا الوقت الحرج»، وهذا المبلغ سيمول مشاريع برنامج الأغذية العالمي لتوسيع عمليات الأمن الغذائي والتغذية، إضافة إلى جهود منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» لتوفير الخدمات الصحية الأساسية.

مجموعة لأزمات الدولية

وحمّل تقرير مجموعة الأزمات الدولية المجتمع الدولي مسؤولية بناء «جهاز دولة يعتمد بالكامل على المانحين في أفغانستان منذ عام 2001»، مشيراً إلى أن «المانحين يقدمون اليوم مساعدات إنسانية، لكن هذا النوع المحدود من المساعدات الطارئة غير كاف لوقف الأزمات الإنسانية والاقتصادية المتفاقمة».

ودعت مجموعة الأزمات الدولية الأمم المتحدة والولايات المتحدة إلى تعديل عقوباتهما لتجنب استهداف الحكومة الأفغانية بأكملها، وحثت الولايات المتحدة وحلفاءها على إيجاد طرق لضخ السيولة في أسواق العملات الأفغانية.

النساء على خط المواجهة

التغيير الذي ضرب أفغانستان، لم يكن سهلاً على شرائح عديدة، ولا سيما معشر النساء، بالنظر إلى سياستها في فترة سيطرتها على البلاد في تسعينيات القرن الماضي، تجد حركة «طالبان» صعوبة في إقناع الداخل والخارج بأنها ستكون أكثر انفتاحاً مما كانت عليه في ظل حكمها السابق.

ولكن في عهدها الجديد حاولت الحركة منح النساء مزيداً من الحرية: فهنّ، على سبيل المثال، لم يعدن مجبرات على ارتداء البرقع أو حصولهن على مرافق ذكر للخروج، لكنها تعطي إشارات أخرى أكثر إثارة للقلق: باستثناء الخدمات الصحية، لم تعد الموظفات الحكوميات إلى المكاتب. كما أعلنت إعادة فتح المدارس الإعدادية والثانوية للذكور، مستثنية الإناث، قبل أن تتراجع عن ذلك في بعض المناطق.

وفي مسعى لتأكيد أنها لم تعد كالسابق، أكدت حركة «طالبان» ضرورة احترام حقوق المرأة، وأوعزت للمنظمات ذات الصلة وعلماء الدين وشيوخ القبائل باتخاذ إجراءات جادة لضمان هذه الحقوق.

وتم ذلك وفق مرسوم أصدره زعيم الحركة هبة الله أخوند زاده نشرته الحركة على منصاتها الإلكترونية الرسمية في الثالث من ديسمبر الجاري.

وشدد المرسوم على أنه لا يمكن لأي شخص إجبار امرأة غير متزوجة أو مطلقة على الزواج، وأضاف: «المرأة ليست ملكية، بل هي إنسان نبيل وحر، ولا يمكن لأحد أن يعطيها لأحد مقابل اتفاق سلام أو إنهاء عداوة».

وما فعلته «طالبان» بشأن المرأة، كان رسالة طمأنة للداخل والخارج، حتى لا تكون «نظاماً منبوذاً» في المجتمع الدولي.

أخوند زادة.. غامض لا وجه له في الإعلام

في الحادي والثلاثين من أكتوبر الماضي، تم الإعلان عن ظهور زعيم «طالبان» الملا هبة الله أخوند زادة في ولاية قندهار، للمرة الأولى، وفي ذلك الظهور النادر لم تتم مشاركة أي صور أو مقاطع فيديو للتجمع، فهذا الزعيم الغامض لا وجود له مباشراً في وسائل الإعلام باستثناء اسمه الذي يذكر في غالب الأحيان كناية لا تصريحاً. وهناك معلومات شحيحة عن سيرته، وما يتوافر منها، يقول إن هبة الله أخوند زادة تولى زعامة حركة «طالبان» الأفغانية في 26 مايو 2016 بعد أن تم تعيينه في هذا المنصب من قبل مجلس شورى الحركة خلفاً لزعيم الحركة السابق أختر محمد منصور الذي قُتل في غارة أمريكية بطائرة بدون طيار في 22 مايو/ أيار2016.

ويقال إن أخوند زادة قاتل ضد القوات السوفييتية وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان، وعمل رئيساً لمحكمة عسكرية في كابول تحت حكم مؤسس طالبان وزعيمها الروحي الراحل الملا عمر. وتحت قيادة أخوند زادة وقعت «طالبان» اتفاق سلام تاريخياً مع الولايات المتحدة في قطر في 29 فبراير/ شباط 2020 ووصف أخوند زادة الاتفاق بأنه «انتصار كبير» للجماعة. وبحسب سيرة ذاتية نشرت على الموقع الرسمي لحركة «طالبان»، فقد ولد أخوند زادة في 19 أكتوبر / تشرين الأول1967 بمنطقة باجواي في ولاية قندهار، وهو ينتمي إلى قومية «البشتون» وإلى قبيلة «نورزاي» القوية القومية: بشتون، قبيلة نورزاي القوية في تلك الولاية. ويُعتقد أنه أحد الأعضاء المؤسسين لحركة «طالبان» وكان مساعداً مقرباً لمؤسس الجماعة الملا عمر. وشارك أخوند زادة في المعارك ضد الحكومة الأفغانية الموالية لروسيا بزعامة محمد نور ترقي والتي وصلت إلى الحكم في أبريل/ نيسان 1978. في النهاية فر من أفغانستان إلى باكستان المجاورة حيث استقر في مخيم «جنغل بير أليزاي» للاجئين في مقاطعة بلوشستان الحدودية.

سباق مع الوقت للتبرؤ من الإرهاب ومواجهة «داعش»

لم تدم فترة راحة «طالبان» بعد سيطرتها على العاصمة كابول طويلاً، إذ سرعان ما وجدت الحركة نفسها في مواجهة تمرد مسلحي «داعش- خرسان» الدموي، الذي تأسس عام 2014، بالتزامن مع سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي على مساحات واسعة في سوريا والعراق، وبدأ يتمدد في أنحاء عدة من العالم، بما فيها «خراسان»؛ وهي منطقة تضم أنحاء من أفغانستان وإيران وباكستان وتركمانستان. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، يضم تنظيم «داعش - ولاية خراسان» من 500 إلى بضعة آلاف من المقاتلين في شمال أفغانستان وشرقها؛ بمن فيهم الخلايا النائمة في العاصمة كابول. ويقود هذا التنظيم الإرهابي منذ عام 2020 متطرف يدعى «شهاب المهاجر» الذي يوحي اسمه الحركي بأنه متحدّر من العالم العربي؛ إلا إن أصله لا يزال مجهولاً.

حتى عام 2020، كان تنظيم «داعش - خراسان» يخسر نفوذه في ظل سطوة حركة «طالبان» وحملة الغارات الجوية الأمريكية ضد التنظيم. وتبنى التنظيم في 2021 أكثر من 220 هجوماً في أفغانستان؛ بما في ذلك العديد من الهجمات في كابل.

وتتخوف دول عدة من تحول أفغانستان إلى معقل كبير للإرهاب، وفي هذا السياق يؤكد النائب الأول لمندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي أن «داعش-خرسان»، أحد العوامل الرئيسة في زعزعة استقرار أفغانستان، ويهدد دول آسيا الوسطى، معتبراً أن «الخطر يتمثل في توسع أنشطته الإيديولوجية والدعاية والتجنيد مع الاستخدام الماهر لتقنيات المعلومات والاتصالات».

وتهدد هجمات هذا التنظيم الإرهابي مساعي «طالبان» لإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار، والتحدي ربما يكون كبيراً في المستقبل، طالما أن الحركة لا تحظى في مواجهة هذا الخصم بمساعدة خارجية تذكر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"