عتبة العام الجديد

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

في مثل هذه الأيام من كل عام، يكثر التأمل وتتسع دائرة الأمنيات أملاً في الأفضل مع العام الجديد، ضمن تقليد سنوي دأبت عليه البشرية منذ قرون، دون أن تكون لتلك المشاعر والأماني علاقة بما سيحدث فعلاً. فلا أحد بمقدوره بيان ما سيحمل الغد، على الرغم من اجتهادات المنجمين وقراء الطالع في مثل هذا الموسم، وتباريهم في التوقعات التي لا تخرج عن الاحتمال، ولكن لديهم قدرة على إلباسها ثوب الدهشة حتى ترى وكأنها من الخوارق أو علم الغيب.
على مدار العامين الماضيين عاشت الإنسانية أوضاعاً استثنائية تحت وطأة الجائحة الصحية. وما أشبه الليلة بالبارحة، ففي العام الماضي كان العالم مغلقاً ولم يعش احتفالاته المألوفة بأعياد رأس السنة، وهذا ما يحدث هذه الأيام أيضاً مع اعتماد دول عدة إجراءات احترازية مشددة لمواجهة موجة تفش مقلقة يقودها متحور «أوميكرون»، وهو ما أذكى الخوف مجدداً من استمرار المعاناة مع وباء «كورونا» والخشية من الوقوع في العزلة القاتلة، لا سيما في ظل زيادة أعداد الإصابات بالمتحور الجديد بنسب مقلقة، بحسب ما تذكر منظمة الصحة العالمية. لكن ما يدفع إلى الاطمئنان أن الوقع النفسي أخف مع تسلح الجميع بالحذر وتواصل الرهان على اللقاحات والسعي إلى توزيعها بعدالة. فقد ثبت أن المجتمعات المحصنة بالتطعيم لديها قدرة أعلى على إذلال الجائحة والمحافظة على نسق الحياة واستمرار التواصل مع العالم الخارجي، عكس ما كان عليه الحال نهايات العام الماضي حين بدأت حملات التطعيم حذرة وأقل إقناعاً مما أصبحت عليه اليوم.
الجائحة ليست وحدها التي تستحوذ على أجندة القلق العالمي. وبنبرة تفاؤل يمكن الوثوق بأنها ستصبح خلال أشهر شيئاً من الماضي، لتحل محلها قضايا مستجدة تنذر بتهديدات أكبر، تتعلق بمستقبل السلام العالمي، كما هو الحال جراء التنافر الروسي الغربي حول الأمن في أوروبا ووضع أوكرانيا ومسألة تمدد الحلف الأطلسي إلى الشرق، ففي الأسابيع الأخيرة بلغ التوتر أوجه، وللمرة الأولى منذ عقود، طغت مفردات المواجهة على خطاب الطرفين. ورغم الحديث عن اتصالات ومشاورات للتوصل إلى تفاهمات، إلا أن ما يحدث في النقاط الساخنة من بحر البلطيق شمالاً إلى البحر الأبيض المتوسط جنوباً، لا يدعو إلى الاطمئنان أبداً، ويجعل القلق يتعاظم ويشتد، لا سيما أن أكثر من جبهة مرشحة للتصعيد بسبب تضارب مصالح اللاعبين الدوليين الكبار، وهم الولايات المتحدة مدعومة بحلفائها، وروسيا والصين وقوى إقليمية تتلاقى مصالحها مع هذا الطرف أو ذاك.
ربما يبدو المشهد قاتماً بعض الشيء، وعلى عتبة العام الجديد، لا يمكن توقع معجزات تصفي كل هذه الأزمات دفعة واحدة، ولكن تبقى أبواب الأمل مشرعة، والتفاؤل عالياً بعدم وقوع الأسوأ. ولأن العالم لم يفقد عقله، يمكن توقع انتصار الحكمة على التهور ولغة السلام على وساوس الحرب، فالبشرية المرهقة بأزمات الحياة وأعبائها المديدة لن تتحمل أوزار صراعات جديدة. وتيمناً بالأفضل يبقى التفاؤل سيد المشاعر للتغلب على دواعي الإحباط والقلق. وكل عام والبشرية تعيش على الأمل.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"