لنكفّ عن العيش بالأماني

00:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

مع نهاية كلّ سنة إدارية وبداية سنة جديدة، تنفتح سيول الأماني والتبريكات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّه من البيّن أنّ النجاح في أي مسيرة حياتيّة، لا يتحقّق بمجرّد الأماني؛ بل بثقافة العمل والتخطيط للمستقبل وتوفير شروط النجاح.

تنسحب هذه الحقائق على التجربة الفردية كما على التجربة المجتمعيّة، والعقل الناقد الذي يقرأ تجارب المجتمعات التي استطاعت أن تحقق النجاحات الكبرى والإنجازات التاريخية العظيمة لم تبن تلك المسيرة التي خلّدها التاريخ إلاّ بقيم العمل والاجتهاد لا بمجرّد الأماني.

من الطبيعي أن يعيش الإنسان على قيم الحلم والأمل والطموح، ولكن لا يجب أن تتحوّل هذه القيم إلى قواعد سلوكية أو فكرية يبرّر بها الفرد عجزه أو المجتمع تأخره عن تحقيق المنجزات الحضارية الكبرى. ونحن العرب كما يقول الشاعر «شطّار» في العيش بالأماني وردّ الإخفاقات إلى العوامل الموضوعية دون أن نواجه إخفاقاتنا بنقد ذاتي معمّق. فهل لنا أن نسأل على سبيل المثال عمّا أنجزه معظم العرب في العقدين المنقضيين من القرن الحادي 

والعشرين؟ ولو نظرنا في حصيلة الإحدى وعشرين سنة التي مرّت من هذا القرن، سنرى أن بعض العرب ما غادروا مربّع الأزمات والصراعات والتأخر عن ركب مدارج العلم والعرفان. وقد أكدت جائحة كوفيد-19 هذه الحقيقة المرّة؛ حيث لم يسهم هذا البعض بفاعلية وبتنافسية في معركة اللقاحات؛ بل ظل ينتظر ما ستنتجه المختبرات الغربية والصينية والروسية، ليتسابق في الحصول عليه وينقذ ما يمكن إنقاذه من أرواح بشرية. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نخرج بها من خلال مقارعة وباء كوفيد- 19، ومن خلال تقييم موضوعي ل«منجزات» العشريتين اللتين ضاعتا هدراً.

ساعات قليلة وينطلق طوفان الرسائل القصيرة للتهنئة بالعام الجديد، وساعات قليلة تفصلنا عن تلك الاحتفالات التي لا بدّ منها لاستقبال العام الجديد، ولكن وسط ذلك الموج الهادر من الأماني، والأفراح والأغاني والأنوار التي تحوّل ليالينا أياماً، هل يمكن أن نمنح العقل فرصة يتيمة لطرح الأسئلة التي يجب طرحها عن نصيب الإنسان العربي من الاختراعات والاكتشافات العلمية؟ لو استطعنا أن نمنح العقل تلك الفرصة، سننجح في وضع القطار على السكة.

هي السنوات تنقضي تباعاً، ولن يخلّد التاريخ سوى الإنجازات العظمية التي حققتها البشرية. ولذلك فإنّ بعض المؤشرات، يمكن البناء عليها، فوسط العتمة دائماً هناك نور يبزغ، وبعض الإنجازات العربية تبعث على الأمل، فهناك بداية تسابق في منطقة الشرق الأوسط على اكتساح الفضاء، وهذا لا يتحقق إلاّ بقاعدة علمية وتكنولوجية وبكفاءات بشرية محليّة قادرة على تطوير تلك التجارب. وعليه فإننا نعتقد أنّ تحويل العلم إلى ثقافة مجتمعيّة، هو شرط أساسي لصناعة مستقبل عربي أفضل. الروح العلمية التي ستنقلنا من عالم الغيبيات إلى عالم الشروط المادية للفعل البشري، التي نجحت بمقتضاها الأمم الأخرى في بناء مستقبل أفضل لشعوبها. وتلك الروح هي التي ستحررنا من سجن المعتقدات الجامدة، وتدفعنا إلى الانفتاح على عوالم الكون غير المحدودة، واللامتناهية. وتلك الروح هي التي ستخلق الثروات غير الناضبة وستساهم في تنمية «مكوّرة» أي دائرية؛ حيث يقع استثمار العائدات والربح في إطلاق سلاسل جديدة من الاستثمارات، وهكذا ينمو الاقتصاد ويتم القضاء على البطالة ثم يحق للشباب المنتظر فرصته للعمل والإنتاج أن يأمل لا بسنة جديدة أكثر إشراقاً في حياته؛ بل يحق له حينذاك أن يأمل في سنوات من الخير المتواصل وأن يقطع مع السنوات العجاف.

نحن العرب عشنا كثيراً على وقع الأمنيات والأحلام وحتى الأوهام، ونعتقد أنه حان الوقت كي نغيّر البوصلة بطريقة جذريّة إلى الحلول التي تصنع الربيع الحقّ. ربيع مزهر من بغداد حتى نواكشوط، بعد كل هذه السنوات العجاف، التي جعلت واقعنا أكثر قتامة بسبب تعدد النكبات والانكسارات.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"