2021.. عام الحيوية الخليجية

00:02 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

في حياة الدول أعوام باهتة، تمر خالية من الأحداث الكبرى والتحولات الجوهرية، التي تتوافق مع تعرجات السياسة العالمية، وتخدم الشعوب وتستخلص من دروس الماضي ما يصب في صالح المستقبل، وقد كان 2021 من الأعوام الباهتة في حياة العديد من دول العالم، التي تفرغت حكوماتها لاتخاذ قرارات الإغلاق، ولملاحقة آثار «كورونا» اللعين بعد أن ألقى بظلاله القاتمة على حياة الأفراد والشعوب، وفرض على الحكومات اتخاذ تدابير لتخفيض عدد الضحايا والمصابين، ما انعكس سلباً على اقتصادات دول مختلفة لتعيش حكوماتها بين نارين، نار قرارات الإغلاق الصعبة وقرارات معالجة الآثار الاقتصادية الأصعب. 

دول قليلة تعاملت مع الجائحة بحكمة مكنتها من أن تجمع بين التعامل الحكيم مع «كورونا»، بما يضمن أقل الخسائر الاقتصادية والصحية، وبين أن تواصل مسيرتها التنموية، وتجعل من 2021 عام الحيوية السياسية والقرارات المهمة، التي تفرض على التاريخ أن يتوقف أمامها مطولاً، وعلى رأس هذه الدول كانت دول مجلس التعاون الخليجي، التي اتخذت أفضل التدابير الوقائية والعلاجية والتوعوية الحاسمة للحد من انتشار الجائحة بين المواطنين والمقيمين فيها، واتخذت قرارات الإغلاق عندما كان ضرورياً، وعادت لتفتح أبوابها للحياة وذراعيها للعالم، بعد أن تلاشى الخطر بفعل الإجراءات الاحترازية التي التزمت بها الحكومات والشعوب في آن واحد، وبفعل سرعة التعامل الحكيم تصدرت دولة الإمارات العالم في التعامل مع الجائحة، وفقاً لنتائج «مؤشر المرونة في التعامل مع كوفيد- 19» الصادر عن وكالة «بلومبيرج» العالمية، ولتكون ضمن سبع دول فقط على مستوى العالم لم تتأخر قط في ترتيبها على المؤشر على مدار العام كاملاً، والمتابع لجدول الإصابات اليومية بالفيروس منذ ظهوره وانتشاره عالمياً يدرك أن دول الخليج بشكل عام أخذت نصيبها من الإصابات التي استطاعت أن تتخطاها بفضل الإجراءات الاحترازية؛ حيث تعافى معظم المصابين، كما تفوقت في جرعات اللقاح على الكثير من دول العالم المتقدم؛ حيث وصلت إلى 92.986 مليون جرعة، وذلك حسب مركز الإحصاء الخليجي.

«كورونا» الذي تحولت معه العديد من الدول إلى دول معاقة، لم يعقْ دول مجلس التعاون عن الإنجاز السياسي والاقتصادي، وكان افتتاح «إكسبو 2020 دبي» أول أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتحول دبي إلى مزار لسكان الكوكب، خير دليل.

سياسياً سيذكر التاريخ أن 2021 كان العام الذي عقدت فيه دول المجلس قمتين خليجيتين؛ حيث افتتحت السنة بقمة العلا بالمملكة العربية السعودية، والتي عقدت في الخامس من يناير/كانون الثاني، واختتمته بقمة الرياض في 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي. 

قمة العلا، فتحت طريق العلا والسمو عن الخلافات أمام دول المجلس؛ حيث أكد خلالها القادة أن الخليجيين فعلاً أشقاء، وأن روابط الدم وعلاقات المصاهرة وأواصر القربى وقواسم اللغة والدين والعادات والتقاليد والتراث أقوى من أي خلافات، وأنها تستطيع إذابة جليد الغضب لتستبدل به مشاعر دافئة من المودة والرحمة، وتحيي إرادة التعاون ومساعي التكامل بين الأشقاء. وبعد أن هددت الخلافات مجلس التعاون، جاءت قمة العلا لتؤكد أن إرادة قادة دول الخليج هي أن يظل المجلس نموذجاً يحتذى في التعاون الإقليمي، وأنه أقوى من أي عواصف، وأن الحكمة في التعامل بين الجيران هي الضمانة لأقاليم مستقرة تتفرغ لإنجاز المشاريع التنموية، وتحسين حياة الشعوب، بدلاً من تصعيد الخلافات وتدبير المكائد التي تنعكس سلباً على استقرار الدول وتتهاوى أمامها طموحات الشعوب وأحلام الأجيال الطالعة. 

قمة العلا طوت صفحة الخلاف بين السعودية والإمارات والبحرين ومعهم مصر من جانب وقطر من جانب آخر، وعززت أجواء التفاؤل بين القادة والأمل بين الشعوب، وعززت علاقات التعاون، ثم جاءت قمة الرياض في نهاية 2021 لترسخ القيم الخليجية المشتركة، ولتؤكد أن الخليج سيظل واحداً ومتوحداً في مواجهة من يحاولون النيل من استقراره أو تعطيل حركة التنمية بين ربوعه. 

لم يكن 2021 هو عام المواجهة الناجحة ل«كورونا»، والمصالحة وعودة الوئام واستئناف التعاون خليجياً فقط، ولكنه عام سعي الدول الخليجية لطي صفحة الخلاف مع أطراف إقليمية، ومد يد السلام للجيران؛ ولذا كانت خطوات الإمارات والسعودية لفتح صفحة جديدة مع تركيا، ومد اليد لإيران، بهدف حل المشاكل العالقة وبدء صفحة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي لصالح شعوب المنطقة، وبما يضمن للجميع العيش في سلام وأمان.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"