عادي

تجديد الذائقة

23:53 مساء
قراءة 7 دقائق
18
Carl_Spitzweg_021

استطلاع: نجاة الفارس

لماذا نعيد قراءة الأدب الكلاسيكي، ولماذا ما يزال الكثير من النقاد يستشهدون بهذا الأدب أكثر من توجههم لأدب الشباب؟ يؤكد عدد من الكتاب أن الكثير من النقاد يعبّرون إلى النقد عبر الأسماء الكبيرة للشعراء والقاصين تحديداً، وقلما يلتفتون إلى الأقلام الشابة، لأنهم يعتقدون بنضج التجارب الكبيرة، ومساحة انتشارها الواسعة، ولأن التجارب الجديدة تكون بالنسبة إلى الناقد الجديد تحديداً كحقل الألغام، وأوضحوا أن الأعمال الكبرى تظل محتفظة بشيء من سمات الإبداع الإنساني، ولكن لا يمكننا الاعتماد على الماضي فقط، وإهمال الحاضر، فهناك تجارب ثقافية عربية لم تحظ بقراءات نقدية حقيقية رغم عمق التجربة وجودة المحتوى.

يلجأ الكتاب المعاصرون لاستلهام الموروث الأدبي الكلاسيكي القديم الذي تراكم عبر التاريخ وخلّفه لنا السابقون، لأسباب عدة، منها أنه يتسم بالرصانة والمتانة في الطرح، وقوة الكلمة وجزالة الألفاظ، وسحر الأحداث وأساليب جذابة في التشويق، ودقة الوصف ورسم التفاصيل، وسعة الخيال، كل هذه العناصر مجتمعة جعلت هذه الكتب والقصص والأشعار لا تندثر وترتقي بالذائقة التي تتجدد مع قراءتها بصفة مستمرة.

أصول

الدكتور محمد الحوراني أكاديمي وناقد، يقول: «الكلاسيكية مدرسة أدبية لها أصولها وأركانها، وهي في أساسها تقوم على محاكاة القديم، واعتباره أنموذجاً أعلى يقاس عليه، وفي أساس ظهورها في أوروبا كانت تعود إلى محاكاة الأدب الإغريقي القديم، ولا سيما في المسرح، ونتيجة لتلاقح الثقافات، وانتشار ما أستطيع تسميته ب (عولمة الأدب) فقد تلقف الأدباء العرب في بدايات عصر النهضة هذه المدرسة، فظهرت لدينا المدرسة الكلاسيكية العربية المتمثلة في مدرسة إحياء التراث، ومن ثم مدرسة المحافظين، من أمثال محمود سامي البارودي وأحمد شوقي، وهؤلاء وأمثالهم وضعوا أسساً وسمات للأدب الجديد ليكون منمذجاً وفق القديم، شكلاً ومضموناً، وانبرى النقاد إلى نقده ما بين معارض مطالب بالتجديد، وما بين مؤيد مؤازر يرى في التقليد والمحاكاة أنموذجاً أعلى، لكن الكلاسيكية العربية تحولت إلى كلاسيكيات، وجاءت على أنقاضها مدارس أخرى، والنقد أخذ يتشكل داخل المدارس ذاتها، إذ ينبري نقاد كل مدرسة للهجوم على المدارس الأخرى، وإعلاء مكانة المدرسة التي ينتمون إليها، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، فمع بزوغ فجر الأدب الجديد، ولا سيما الشعر، في أربعينات القرن الماضي، أصبحت المدارس السابقة كلها في نظر الحداثيين كلاسيكية، وما عاد الناقد ينقد على أساس هذه المدارس ولكنه وضعها في كفة ووضع الشعر الجديد في كفة».

ويضيف: «في العرف الثقافي أصبحت النظرة إلى مصطلح كلاسيكية تعني النظرة إلى القديم باختلاف مدارسة، لذا نجد كثيراً من النقاد يرفضون التقليد ويدعون إلى التجديد، وفي المقابل نجد كثيراً من النقاد أيضا يعدون الانفتاح والتجديد بعداً عن جوهر الأدب المتمثل برأيهم في الأصالة، وفي وقتنا الحالي، نجد كثيراً من النقاد يعبرون أبواب النقد عبر الأسماء الكبيرة للشعراء والقاصين تحديداً، وقلما يلتفتون إلى الأقلام الشابة، أما النقاد الكبار فهم قادرون على بلورة موقف نقدي صارم تجاه هذه التجارب، ولكنهم في الأغلب يهملون هذه التجارب، فالنماذج الجديدة بحاجة إلى تكثيف الدرس النقدي حولها، وبحاجة إلى اهتمام النقاد الكبار، فكما قال ابن قتيبة: كل قديم حديث في عصره، وما من أديب إلا وكان ناشئاً مبتدئاً، والأديب الناشئ الآن هو أديب رائد في المستقبل».

الأعمال الخالدة

الدكتورة منى علي السّاحلي من قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الإمارات العربية المتّحدة، تقول: «الأدب الكلاسيكي اصطلاح يطلق على الأعمال الأدبية الخالدة، التي لا تبهت نصاعتها، ولا تذهب قيمتها، مع مرور الأزمنة وتعاقب العصور، بل لعلّنا نزداد وعياً بأهميتها كلما جدّت موضوعات وقضايا، واستحدثت مناهج وتقنيات، وأدوات للكتابة وللتحليل، كما أنّ القرّاء المثقفين والنقاد والباحثين يدركون أن أهمّية الأعمال الكلاسيكية الكبرى في كل الآداب، لا تقتصر على العصر الذي كتبت فيه، ولا تخصّ جمهورها المعاصر لها، بل لعلّ كثيراً من تلك الأعمال جرى تقديرها والاهتمام بها، بعد قرون من زمن كتابتها، فالأدب يمكن أن ينظر إليه بوصفه أفضل وسيلة لتربية الذوق والحس والشعور، كما هو وسيلة لتغذية العقل والروح، وهو بعد ذلك كله، يساعدنا في فهم الماضي، بما فيه من صراعات إنسانية ونفسية ووجودية، كما أنّ العمل الأدبي- والفنّي عموماً- تكمن قيمته في أصالته ورؤيته العميقة التي تتغوّر في عمق الوجود الإنساني، وتتبلور في صياغة محكمة تغذي حاجات الإنسان الرّوحية والفكرية والشّعورية، ومن ثمّ تبقى الأعمال الكبرى تحتفظ بشيء من سمات الإبداع الإنساني، ما بقي قرّاء لهذا الإبداع. إننا لا نزال نهتم بملاحم هوميروس وفرجيل ودانتي والفردوسي، كما نطرب لسونيتات شكسبير، ونعجب لمسرحياته التي لا تزال تجسد الصراع الإنساني بأنواعه ومظاهره، وكذلك أعمال جوجول وتولستوي ودستوفسكي، ولا تفتر جاذبية القصائد العربية البارعة منذ عصر ما قبل الإسلام حتى العصر الحديث، ولا قلّت أهمية نصوص من مثل: كليلة ودمنة لابن المقفع، أو رسالة الغفران للمعري، أو البخلاء للجاحظ، أو الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي، فالأعمال الأدبية العالمية الخالدة لا يمكن الاستغناء عنها، فهي تشكّل الخلفية الثقافية، وتسكن الذاكرة الفردية والجمعية للإنسان المثقف اليوم، أياً ما كان تخصصه وانتماؤه».

الأدب الجديد

يوضح الشاعر ناصر البكر الزعابي، أن قراءة الأدب الكلاسيكي لها فوائد جمّة، سواء للقارئ أو حتى الكاتب، لما يحتويه من ذائقة أدبية رفيعة وقيمة فنية لا يستهان بها، وغالباً ما يحتفظ الأدب الكلاسيكي بهوية الشعوب، ويعبّر عن حقبة زمنية مهمة، وينعش الذاكرة الثقافية بشكلٍ فعّال، أما بالنسبة إلى استشهاد النقاد بالأدب الكلاسيكي أكثر من اهتمامهم بأدب الشباب فأرى أن هناك تعارضاً بين الفكرتين أساساً، بسبب اختلاف أدب الشباب بشكلٍ كلّي عن الأدب الكلاسيكي، من حيث الفكرة والمضمون والظروف الزمنية والمكانية، ولكن لا يمكن إغفال أهمية أدب الشباب مهما كانت الأسباب والمبررات من أجل إعداد جيل ثقافي واعد، فإهمال الشباب يعني وقوعنا في فخ النمطية المزمنة، وهذا ما تعانيه الثقافة عموماً من التباس واقتباس وتكرار واجترار لأفكار الماضي السحيق. قد تكون الكتب الكلاسيكية بمثابة مراجع أدبية قيّمة يستطيع أن ينهل منها الكاتب الواعد، وقد تكون فرصة لتعلّم أهم الأجناس الأدبية، فهي جزء حيوي فعّال، لكن لا يمكننا الاعتماد على الماضي فقط، وإهمال الحاضر، فهناك تجارب ثقافية عربية لم تحظ بقراءات نقدية حقيقية رغم عمق التجربة وجودة المحتوى، ولهذا أسباب أخرى، فقلة عدد الكتب النقدية في عالم النشر سبب رئيسي في قلة الاهتمام بالأدب المعاصر، بينما يتشاغل البعض في إعادة نتاجات عربية كلاسيكية بمناسبة أو بغير مناسبة، اعتماداً على الأسماء اللامعة الجاذبة من دون قيمة أدبية حقيقية، بمعنى أصح، علينا أن نحتفظ بعلاقة متوازية بين القديم والحديث، ومن باب الأولوية أن نركّز أكثر على النتاج المعاصر، فقد ظلمت أسماء كثيرة بسبب اختزال الأدب الكلاسيكي في عدد محدود من الأدباء.

أثر

الدكتور صديق جوهر خبير الترجمة في الأرشيف الوطني يقول: «يسعى الأدباء والنقاد إلى إعادة قراءة الأدب الكلاسيكي لتحقيق أغراض فنية وأدبية وتراثية عدة، وفي مقالة (الموروث والموهبة الفردية) أكد الشاعر ت.س. إليوت على ضرورة الاطلاع على التراث الأدبي والفني والشعري والقصصي والمسرحي العالمي لأهميته في بناء شخصية الكاتب المعاصر، يقول إليوت إننا لو تفحصنا السمات الفردية الخاصة بشاعر من الشعراء أو كاتب من الكتاب المعاصرين على نحو موضوعي، فسوف نرى أن هذه السمات الفردية ما هي إلا انعكاسات لكتابات أساطين الأدب الكلاسيكيين الراحلين، وسوف نكتشف أن أفضل ما في عمله، بل أيضاً أكثر أجزائه تعبيراً عن موهبته الفردية، إنما هي الأجزاء التي خلّف عليها الأدباء الراحلون من أسلافه بصماتهم الخالدة بكل قوة وجلاء، فمن أجل صقل موهبتهم يلجأ الكتاب المعاصرون لاستلهام الموروث الأدبي الكلاسيكي القديم الذي تراكم عبر التاريخ وخلّفه لنا السابقون، والذي لا يمكن توريثه بل يجب بذل الكثير من الجهد في تحصيله، والموروث الأدبي يتضمن امتلاك الحس التاريخي الذي لا غنى عنه، لكل من أراد أن يكون أديباً أو شاعراً أو كاتباً، والحس التاريخي لا يعني فقط الإحاطة بالحاضر الذي يحياه الكاتب وإنما إدراك وفهم الماضي الذي عاشه الأسلاف، والحس التاريخي يُملي على الكاتب أن يدوّن أعماله الإبداعية ووعيه محتشد بالآداب الكلاسيكية القديمة، منذ هوميروس، مروراً بشكسبير، ثم عمالقة كتاب أوروبا والأمريكتين وهكذا دواليك».

آلة الزمن

الكاتبة سناء أبو هلال، تقول: «تميل النفس الإنسانية بطبيعتها الراقية إلى كل ما يفرحها، فتراها تطرد كل متسلل يحمل معه الهمّ، والقراءة وسيلة لانتعاش هذه النفس وإخراجها من الظلمات إلى النور، وفي ظل الأحداث المتسارعة في الأعوام الأخيرة من انتشار للوباء وفقد للأحباب وركود في الاقتصاد وضيق في كسب العيش لجأ الكثيرون إلى قراءة القصص الكلاسيكية لرفع هرمون السعادة عبر آلة الزمن، مع قصة سنو وايت والليدي أوسكار وفلونة والأقزام السبعة والأميرة النائمة، وكذلك مجموعة واسعة من المثقفين الذين لم يجدوا في الكتب الحديثة ما يشبع عمق الفكر الإنساني النيّر فغاصوا مرة تلو المرة في العقد الفريد، وكتاب البخلاء، وكتاب الأغاني، وقصة ألف ليلة وليلة، وجمعوا بين الشرق والغرب بحثاً عن جماليات ترضي أذواقهم«.

وتتابع: «أتذكر تماماً كيف كانت أمي تجمعنا في كل ليلة في أجواء الشتاء، وتحكي لنا بكل حب قصصاً جميلة جداً وطويلة من الأدب الكلاسيكي الشرقي والغربي بدقة متناهية، تصورها لنا كأننا أمام شاشة تلفاز، وعندما نسألها من أين حفظت هذه القصص تقول إنها ورثتها عن أمها، وهكذا، والمفاجأة المذهلة أننا عندما كبرنا وجدنا هذه الحكايات ضمن خانة الأدب الكلاسيكي في الجامعات، فالجمال إن كان في شيء فلن يندثر».

بهجة استثنائية

الشاعرة غالية حافظ، تقول: «للأدب الكلاسيكي تأثير خاص يفرض نفسه في اللاوعي فهو رغم مرور الوقت عليه إلا أنه يثير الدهشة والتساؤل والنقد في كل مرة نعيد قراءته، كما أن وجود الأدب الكلاسيكي على رفوف مكتباتنا يشعرنا بالأصالة والتاريخ كأنه تحفة أثرية تزداد قيمتها مع مرور الزمن، وفيه ما يشعرنا بأنه يحدث الآن، ويعاصر ما يمر بنا من أحداث ومتغيرات، فهو نبع لا ينضب محتواه، حتى إن أعدنا صياغته نراه غنيّاً ومؤثراً وذا مضمون ثري يحيط بكل ما نرغب في الحديث عنه ففيه بهجة استثنائية ومتعة عارمة».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"