عادي

غواية الماضي

23:58 مساء
قراءة 6 دقائق
3

الشارقة: علاء الدين محمود

يلقى الأدب الكلاسيكي، وبصورة خاصة الأعمال الروائية التي ألفها مبدعون كبار، انتشاراً واسعاً وقبولاً متزايداً من قبل القراء حول العالم، فمن منا لا تحدثه نفسه بقراءة وإعادة قراءة أعمال بقيمة «الحرب والسلام»، لتولستوي، و«الشيخ والبحر»، لإرنست همنجواي، و«مرتفعات ويذرنج»، «إيميلي برونتي»، أو «قصة مدينتين»، لتشارلز ديكنز، وحتى على مستوى الأعمال الإبداعية العربية، نجد أن الكثير من محبي الأدب يفضلون قراءة مؤلفات نجيب محفوظ، والطيب صالح، وغيرهما من أدباء ظلت إبداعاتهم خالدة.

هناك الكثير من الأشياء التي تفسر بقاء تلك المؤلفات الأدبية الكلاسيكية رغم مرور وقت طويل على نشرها لأول مرة، ومن أهمها أن الإنسان بطبيعته يتلفت بقلبه ومشاعره إلى الماضي، يأخذه الحنين إلى أزمنة لم يعش فيها، فمن الواضح أن الماضي أكثر إغراءً من المستقبل، ذلك لأن الحياة التي ذهبت وانطوت صفحاتها انتقلت إلينا بتفاصيلها ووقائعها عبر المؤرخين، وبصورة أكثر جمالا وإشراقاً عن طريق الأدب من شعر وسيرة وأعمال سردية بصورتها الكلاسيكية القديمة.

ويتمنى الكثير من القراء لو أنهم عاشوا في زمن مضى، لقوة فعل وتأثير تلك الوصفة السحرية التي ضمنها المؤلفون والروائيون في أعمالهم، التي تتضمن الجمال والمتعة والإثارة والتشويق، وربما تمنى أحدهم لو أنه كان هو «سانتياجو» ذلك الصياد العجوز في رواية «الشيخ والبحر»، الذي ظل محتفظاً بحيويته يقضي حياته من أجل أن يحقق هدف اصطياد سمكة، أو ربما كان حلم فتاة لو أنها عاشت الحياة انطلاقاً وتجارب وتمرداً، كما هو حال تلك البطلة في رواية «آنا كارنينا»، لتولستوي، أو ربما أغرتها حياة تلك الشابة التي تنتظر نهاية سعيدة كما في رواية «جين آير»، أو غيرها من الحيوات الهانئة أو المفعمة بروح المغامرة في أزمنة مختلفة، وربما ذلك هو ما أغرى دون كيشوت بطل الرواية التي حملت الاسم نفسه لثيربانتس، ففضل أن يعيش في أزمنة الفروسية، لذلك ربما من أكثر الأسباب جوهرية في التعلق بالرواية القديمة، هو تلك الرغبة في مغامرة تنقل المرء إلى عوالم سمع عنها، وواقع مغاير لما يعيشه في الإنسان في العصر الراهن الذي يعاني فيه من ثقل الحياة المادية وسيادة ثقافة السرعة والاستهلاك، وهي الأشياء التي تجعل الإنسان يتلفت بروحه إلى زمن مضى لأنه يظن أن أجمل الأوقات قد فات، وأن المستقبل ربما لن يكون غير صورة أكثر ثقلاً من الحاضر الذي يعيشه وحيداً منعزلاً.

مدرسة

إن تأثير الروايات والأعمال الأدبية الكلاسيكية كان كبيراً وعظيماً في القراء، فهي بمثابة نافذة يطل من خلالها على حياة تزيد من عمق تجاربه ومعارفه الإنسانية، وتوسع من مداركه فتدفعه إلى التأمل والتفكير العميق في الحياة والوجود، فترتقي بوعيه وتساعده على اكتشاف ما كان خافياً عليه في المجتمع من حوله، والحياة بصورة عامة؛ أي تعمّق من تجربة الذات في تعامله مع الموضوع، أو الحياة، وتعينه على فهم الثقافات المختلفة لدى الشعوب الأخرى، كما أن الأدب التقليدي يحفز مشاعر المرء، ويقبل على اعتناق القيم النبيلة، مثل الشجاعة والتجرد وحب الآخرين، كما أنها تحرر روحه من الشوائب وثقل الحياة المادية، لذلك لطالما اعتبرت الأعمال الإبداعية الكلاسيكية بمثابة مدرسة تسهم في التربية والتنشئة الاجتماعية.

تعوّد الإنسان على حب القصص والحكايات القديمة، وكانت الجدات والأمهات يلعبن ذلك الدور في الماضي، فيحكين لأطفالهن أو أحفادهن مغامرات وبطولات وملاحم وسير، وغير ذلك من القصص مختلفة المواضيع والمضامين، الأمر الذي أشبع روح الأطفال الذين يصبحون رجالاً ونساء يحملون بالكثير من القيم والأخلاق، فيتسرب إليهم ذلك العشق الوجداني وهو التعلق بالقصص والأحاجي، وذلك أيضاً ما يفعله الحكواتي في سرده للمرويات الشعبية، فسيرة الشعوب هي عبارة عن حكايات تتناقلها الأجيال جيل بعد جيل، تحمل معها الحكمة والقيم وكل ما من شأنه أن يقوم ويربّي الإنسان، لذلك انتبه التعليم منذ القدم لأهمية الحكاية، فكان أن تم تضمينها في المناهج الدراسية، وفي المؤلفات المخصصة للأطفال، ومن منا لا يذكر ذلك الاستهلال الشهير في قصص الأطفال «يحكى أن»، و«كان يا ما كان»؟ لذلك عندما ظهرت الرواية الحديثة وجدت أن الناس مهيئين لها من خلال تجاربهم القديمة الراسخة مع الحكي الذي شكّل وجدانهم.

وهنا تبرز قضية ثانية، أو دافع آخر لاندفاع المتلقي نحو الأدب الكلاسيكي، وهو أن الروايات القديمة كانت تتميز بالبساطة في طريقة سردها، أو ما يعرف بالسهل الممتنع، وكانت قصتها في الأغلب حكاية عن الواقع الذي يعيشه الناس، أو ما عرف بالرواية الواقعية، أو الرومانسية، وغيرها من تيارات لم تبلغ مرحلة التعقيد في السرد بعد، وكانت تركز على الأشخاص والمشاهد اليومية وسيرة الشخوص والأبطال وتحكي عن مصائرهم؛ أي سعى مؤلفو تلك الأعمال إلى تصوير الحياة كما هي، بلغة شاعرية تخاطب الوجدان، إلى جانب جماليات الوصف، مع التركيز على عناصر التشويق والإثارة، فهدف الرواية في ذلك الوقت هو الإمتاع والتسلية بصورة أساسية، بالتالي كانت تلك الأعمال قريبة من وجدان البشر، بعكس المرحلة اللاحقة للأعمال الكلاسيكية عندما ظهرت الرواية النفسية، أو التي تحفل برؤى فلسفية وفكرية، أو تصور أيديولوجي، فقد أصبحت صعبة في موضوعاتها، وكذلك في أساليبها الفنية، فالأدوات قد تطورت هي الأخرى مع تقدم الأعمال السردية نحو مناطق وأماكن جديدة، مثل الخيال العلمي، والفانتازيا، وغير ذلك، لذلك نجد أن القراء اليوم يقبلون على الأعمال البوليسية أكثر من التي تتناول قضايا جادة، أو تحمل رؤية غامضة ومعقدة، وقد تطور ذلك الأمر مع ظهور التجريب، حيث ما عادت الرواية تقوم على القصة أو الحكاية، فقد اختلف السرد وأصبح أكثر غموضاً وصعوبة على القراء، وبالتالي ظل معنى العمل الروائي الحقيقي عند الكثير من المتلقين هو تلك الرواية القديمة الكلاسيكية التي تحمل بداية وتصاعداً دراميا ثم نهاية، فذلك هو ما اعتاد عليه القراء.

تغيير

لقد تغيّرت بنية العمل السردي نفسه، فهو في بعض الأحيان يأتي بلا مقدمة، وفي أخرى يحمل نهايات متعددة أو مفتوحة، وتكثر فيه الرموز والإشارات حتى يقوم القارئ بملء الفراغات في النص، أو يقوم هو بعملية التأويل والتفكيك والتفسير واستنتاج المعنى، بالتالي صار القارئ نفسه يحتاج إلى قدرات ذهنية وتجارب في عملية القراءة، ما يعني أن الكثير من المتلقين لم يعتادوا بعد على ذلك التطور الذي وصلت إليه الرواية الحديثة، وكذلك الشعر ومختلف الأجناس الأدبية، ولأن السرعة والانهماك في الحياة هي طابع العصر، فإن الأدب الكلاسيكي يعتبر خياراً أمثل، فهو لا يحتاج إلى الكثير من التركيز والتمعن لخلوه من التعقيد والغموض.

ومن الدوافع المهمة للإنسان في قراءة المؤلفات الأدبية الكلاسيكية هي ظنه بأن فهم الحاضر يتطلب استصحاب الماضي، وذلك ما يفعله الأدباء أيضا في الأعمال الحديثة، فهم يقومون بإسقاط التاريخ بأحداثه وشخوصه على الحاضر من أجل فهمه واستيعاب مشاكله، باعتبار أن كل قضية أو مشكلة تبرز لها جذور في الماضي القريب أو البعيد، ومثال على ذلك، عندما ألمّت بالبشر جائحة كورونا، صارت الأعمال الكلاسيكية التي تحدثت عن الأوبئة والأمراض هي الرائجة، حيث لجأ إليها القراءة ليتعرفوا إلى التجارب القديمة في كيفية تعامل البشر مع الأمراض المعدية، فصارت تلك المؤلفات هي أنيس البشر في عزلتهم.

ومن الكتّاب والنقاد الذين طرحوا سؤال جاذبية المؤلفات الكلاسيكية هناك الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو في كتابه «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»، حيث يقدم للقراء خلاصة تجاربه مع روائع كلاسيكية في الشعر والرواية من الذين أثروا حياته وتجاربه، من أمثال: «فلوبير، وديكنز، وكونراد، إلى بورخيس، وهو لا يكتفي بنقل تجربته مع ذلك المنتج الساحر، بل ويقدم للقراءة نصائح في كيفية التعامل مع الأدب التقليدي، ويشير كالفينو إلى أن تلك الكتب التي تشكل ثروة لمن قرأها وأحبها، وهي تحول «متاعب الحاضر إلى خلفية صوتية»؛ وهو يقصد أن تلك المؤلفات مهمة في الاستعانة على قسوة الحياة.

وعلى الرغم من تعدد الأسباب التي تجعل البشر في عصرنا الحديث يقبلون على قراءة المؤلفات الكلاسيكية، إلا أن كثيراً من النقاد يرون أن تفسير ذلك يبدو صعباً وغامضاً، إلى حد كبير، فهناك الكثير من المتلقين يطالعون تلك الأعمال ربما لأسباب غير تلك المعروفة، أو ربما بحثاً عن شيء يفتقدونه فيجدون عند تولستوي المقدرة على نقل صفحات الحياة كما هي من دون تدخل كبير، أو موقف فكري مسبق يلوّن العمل، كما يرون في أعمال ديكنز تلك المقدرة الخارقة على تناول تعقيد الحياة الاجتماعية والغوص في صراعاتها الطبقية، وكذلك تشيخوف الذي برع في تحليل النفس البشرية ونوازعها في الخير والشر، حتى قبيل تطور نظريات علم النفس الحديث، وغيرهم ممن رسخوا لقيم الحب والخير والجمال.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"