التهديد النووي القائم

00:08 صباحا
قراءة دقيقتين

توقيع الدول الخمس الكبرى بياناً مشتركاً يخص الحد من الانتشار النووي وتجنب حدوث أي نزاع مستقبلي بأسلحة الدمار الشامل، لا يمثل اختراقاً جوهرياً للأجواء الدولية المتوترة، بقدر ما هو تذكير بالاتفاقيات السابقة، منها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية المعلنة عام 1970، التي أصبحت مناسبة سنوية يتم إحياؤها برمزية مألوفة وبخطابات مكررة، بينما الواقع غير ذلك تماماً.
 ساعات بعد الإعلان المشترك عن الرغبة في عالم خال من الأسلحة النووية، أعلنت الولايات المتحدة أن ترسانتها ضرورية للأمن والسلام الدوليين، وذلك بعدما خصصت ميزانيات تريليونية لتطوير هذا النوع من السلاح، في وقت أكدت فيه الصين أنها ستواصل تحديث ترسانتها الذرية، مطالبة واشنطن وموسكو بتخفيض مخزونهما من الرؤوس النووية، دون نسيان الخطط البريطانية والفرنسية لتعزيز قدراتهما في هذا المجال. وبالإجمال فإن الواقع النووي يختلف عما ورد في البيان الخماسي، فالرهان على هذا النوع من الأسلحة الفتاكة مازال قائماً، ووجوده وصرف الموازنات الطائلة على تطويره يعني أن احتمال استخدامه في يوم من الأيام غير مستبعد بالمرة.
 الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، تعتبر أكبر الدول النووية، ولدى موسكو وواشنطن ترسانة ضخمة تقترب من 12 ألف رأس نووي، بينما تمتلك الدول الأخرى المئات منها، دون احتساب «دول مارقة» تحوز أسلحة دمار شامل من دون  اعتراف، وبعضها لم يوقع على المعاهدات ذات الصلة. وهذه الترسانة تشكل أكبر تهديد للأمن العالمي، رغم قناعة الجميع بأن الحروب النووية لن تسفر عن منتصر، وإنما هدفها ردع العدو أو الخصم. وفي خضم سباق التسلح المحموم، يتم الكشف يومياً عن ذخائر جديدة سريعة الفتك والإفناء، دون أي اعتبار لمخاطرها على مستقبل الأمم والشعوب. 
 ومع ذلك تظل الحقيقة ثابتة حول هذه الأسلحة، فالتباري في صناعتها وامتلاكها لن يتوقف عند حدود الردع، بل سيتم استخدامها من هذا الطرف أو ذاك إذا أحس بأن وجوده بات مهدداً أو عجز عن حماية مصالحه بالأدوات الدبلوماسية أو الحروب التقليدية.
 عالم خال من الأسلحة النووية مازال حلماً بعيد المنال، ولا توجد مؤشرات نوايا صادقة لتحقيق هذا الهدف المعلن منذ أكثر من نصف قرن، وبعد نحو ثمانية عقود من ظهور السلاح الذري للوجود حين دمر به الجيش الأمريكي مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في نهايات الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الوقت ظل هذا السلاح طموح مختلف الدول الكبرى لأنها ترى فيه قوة وحصانة وقدرة على فرض المواقف.
 خلو العالم من السلاح النووي يتطلب عقيدة سياسية جديدة تؤمن بإعلاء القيم الإنسانية السامية على نوازع الأنانية المفرطة. وبحسب ما يجري فإن هذا الطموح لن يتحقق. مشاكل اليوم معقدة وشديدة الحساسية وتتفاقم من عام إلى آخر، والخطورة لا تكمن في القوى التقليدية، التي تعايشت لعقود في ظل التوتر، ولكن في اللاعبين الطارئين على المشهد الدولي، فهؤلاء يسعون إلى امتلاك الأسلحة النووية للانتقام وليس الردع، وهذه قضية أخرى تثير خوفاً مضاعفاً على الأمن الدولي ومستقبل كل شعوب الأرض.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"