خلاف روسي - أوكراني على جوجول

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

في 2009 احتفلت الكثير من الأوساط الثقافية المهمة في العالم بمرور 100 عام على ميلاد نيكولاي جوجول، صاحب القصة القصيرة الأشهر في العالم «المعطف»، وفي المناسبة، جرى نقاش يتصل بهوية جوجول وأصله.. هل هو روسي، أم أوكراني؟ وآنذاك، كانت حرب باردة بين البلدين سوف تتفاقم في 2014 حين قامت روسيا بضم جزيرة القرم إليها، وتدخّلت بعد ذلك عسكرياً في أوكرانيا.
قال فلاديمير بوتين، وكان آنذاك رئيس وزراء روسيا بالمناسبة إن جوجول كاتب «خالد»، ووجّه إليه تحية بوصفه أيضاً كاتباً روسياً، الأمر الذي استفز الرئيس الأوكراني فيكتور يوشتيشنكو آنذاك الذي قال: «جوجول هو من دون شك كاتب أوكراني، صحيح أنه كتب بالرّوسية إلاّ أنه كان يفكر ويحسّ من خلال شخصيته الأوكرانية».
اليوم، وبعد مرور حوالي عشر سنوات على تلك التجاذبات «السياسية - الثقافية»، بين مسؤولين رفيعي المستوى روسي وأوكراني، وفي جوّ سياسي مشحون بالتوتر بين البلدين لم يكن نيكولاي جوجول حاضراً، في هذه التجاذبات ولو بشكل هامشي، وحتى التصريحان اللذان أطلقهما بوتين ويوشتيشنكو عام 2009 بشأن انتماء، أو حتى ملكية جوجول، ما هما سوى تصريحين من قبيل الاستهلاك الدعائي.
لم يكن يهم بوتين، حقاً، أن تكون هوية جوجول روسية من حيث الأصل والمنشأ والانتماء الوطني والثقافي لروسيا، وكذلك الرئيس الأوكراني آنذاك لم يكن جوجول بالنسبة إليه قضية ثقافية أو مرجعية، هذا إذا كان الاثنان أصلاً قد قرآ جوجول، وعرفا قصة «المعطف» التي لم تكن أصلاً قصة روسية أو أوكرانية، بل قصة كونية إنسانية، وبطلها «أكاكي أكاكيفيتش» المسكين، الخائف، والفقير نموذج بشري مسحوق يوجد ما يطابقه في العالم ملايين من الأشخاص الهامشيين الواقعين تحت خط القهر والموت المادي والمعنوي.
تقول سيرة نيكولاي جوجول (1809 - 1852) إنه كان عصابياً، متوتراً، كما لو أنه على حافة انهيار ما.. ويقال إن حالته النفسية هذه كانت سبباً في إحراقه الكثير من قصصه، متماثلاً بذلك، في الثقافة العربية الإسلامية، مع المتصوّف أبي حيان التوحيدي.
لم يكن جوجول متصوّفاً، بل كان التقاطياً ذكياً لأعماق النفس البشرية وتشظيات صراعاتها الداخلية في نماذج هامشية مسحوقة مثل «أكاكيفيتش»، وبذلك، يتماثل جوجول كاتب القصة السيكولوجي الإنساني مع دوستوفسكي السيكولوجي الإنساني هو الآخر، لا بل إن دوستوفسكي هو صاحب العبارة الشهيرة المتداولة حتى اليوم «جميعنا خرجنا من معطف جوجول».
تذكر بعض مصادر حياة جوجول أنه كان معجباً بالخليفة المأمون، وأنه زار فلسطين عام 1848 حاجّاً إلى الأراضي المقدّسة.. وكان معجباً بالشاعر الروسي بوشكين، وبوشكين هو الآخر هناك من يرجع أصوله إلى مرجعيات قومية أخرى ليست روسية.
أياً كان بلد وأصل وفصل جوجول أو بوشكين أو أي كاتب أو شاعر آخر في العالم، يبقى المعنى الإنساني العالمي النبيل في الأدب هو مربط الفرس.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"