اكتشاف الكون والمخاض العلمي

00:25 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

هي الحياة.. تتسابق فصولها وتتلاحق أيامها، وتنكشف للعالم المفاجآت العلمية الفضائية. فالعلم يجسد سعي الإنسان المشترك في إيجاد عقلانية علمية مشتركة تمثل العظمة الإنسانية في أرفع درجاتها، على صعيد علم الفضاء، ونظرية طبيعة المكان والزمان والمادة، وسيطرة الفكرة الميكانيكية على العلوم الفضائية، وذلك بفضل علماء الفيزياء والتفاعلات الكيميائية والتفسير الميكانيكي للكون وغيرها من العلوم الفيزيائية.

 هذا التقدم العلمي بلغ ذروته في صناعة منظار جيمس ويب، الذي يُعد أحدث وليد للابتكارات العلمية التي امتزج فيها العقل والأمل، إنضاجاً وإيناعاً، لاكتشاف المجهول.

 لقد أنجز العلم، حتى اللحظة، قفزات كبيرة في مجال استكشاف فضاءات الكون، وسبر أغواره، والغوص في تاريخ نشأته، من خلال عمليات الرصد التي تتم عبر المحطة الفضائية الدولية، أو عبر المناظير الأرضية والفضائية، مثل منظار هابل الأمريكي الذي تم إطلاقه عام 1990 إلى مداره الأرضي المنخفض خارج الغلاف الجوي على بعد 593 كيلومتراً، وأمدّ الفلكيين بأوضح وأفضل رؤية للكون بعد طول معاناتهم من المناظير الأرضية، وسُمّي هذا المنظار على اسم الفلكي الشهير إدوين هابل.

 ورغم النتائج الكبيرة والمذهلة التي حققها هذا المنظار، حيث إنه كشف عن وجود أكثر من 100 مليار مجرة في الكون. لكنه لم يكن قادراً على تقديم صورة عن كيفية نشأة الكون، وتفسير معطيات الإزاحة الحمراء. ولذلك انطلقت الولايات المتحدة إلى التفكير في إرسال منظار آخر يكون مجهزاً بتقنيات أعلى من أجل تقديم صورة أوضح وأفضل للكواكب والمجرات والسدم والثقوب السوداء، وتلاقت رغبتها مع الاتحاد الأوروبي وكندا، فتم اتفاق الشركاء الثلاثة على بناء منظار جديد وصلت تكلفته تسعة مليارات وسبعمئة مليون دولار، وفي 25 ديسمبر 2021، وضع الصاروخ «أريان 5» بنجاح، المنظار الفضائي «جيمس ويب»، في المسار نحو مداره النهائي الذي سيبلغه في غضون شهر، والذي سيكون على بعد 1,5 مليون كيلومتر من الأرض. وهي نقطة بعيدة جداً، لكنه مصمم كي يعمل حتى يتوقف من تلقاء نفسه. لكنه في ذلك المكان سيكون قريباً من الشمس، كي يقدم صورة واضحة عنها، كما سيكون على مشارف المجرات البعيدة من أجل أن يلتقط لها صوراً واضحة تساعد مراكز البحث، التي تتلقى صوره، في فهم أفضل لأعماق الكون. وقد تم تجميع المنظار في منشآت شركة نورثروب جرومان في كاليفورنيا. وتتكون المرآة الأساسية له من 18 قطعة من المرايا سداسية الأضلاع المصنوعة من معدن البيرليوم المطلي بالذهب، وتتحد تلك المرايا لتكوّن مرآة قطرها 6,5 متر، ويمثل تجميع المنظار، وأدواته العلمية، ودرعه الشمسية، والمركبة الفضائية، إنجازاً كبيراً من قبل فريق العمل بأكمله، والذي ضم آلاف الأفراد، في وكالة ناسا، ووكالة الفضاء الأوروبية، ووكالة الفضاء الكندية. وسوف يسمح منظار ويب، برصد الأشعة الحمراء المنبعثة من المجرّات القديمة البعيدة «قبل 13 مليار سنة»، وبالتالي الإجابة على الأسئلة التي لا تزال تحيّر العلماء. وسوف يبدأ المنظار عمله بمجرد وضعه في مداره في نقطة لاغرانج، والتي هي مكان في الفضاء، حيث تجتمع قوى جاذبية جسمين كبيرين، مثل الأرض والشمس، أو الأرض والقمر، وتعادل قوة الطرد المركزي لجسم ثالث أصغر بكثير. ويخلق تفاعل هذه القوى نقطة توازن حيث يمكن أن تتوقف مركبة فضائية لأخذ ملاحظات.

 والواقع أن التكلفة الباهظة لمنظار ويب، توحي بأنه مشروع استراتيجي عالي المستوى للدول التي تقف وراءه، فالبحث عن الثروة في الفضاء الخارجي بات حاجة ملحة لتلك الدول التي ترى أن موارد الأرض لم تعد تكفي في ظل المنافسة الحامية من مختلف الدول والشعوب، وبات الاستثمار في الفضاء الخارجي هو الملاذ الآمن، والأكثر موثوقية في ظل تقارير مبدئية تفيد بوجود كواكب من الألماس، وكواكب أخرى من المعادن النادرة، والتي تشكل قلب الصناعات ذات التقنية العالية، وإذا تمكن الغرب من تحقيق سبق علمي واضح في الفضاء فسوف يكون ذلك بمثابة رافعة إنقاذ له في وجه القوى الأخرى. وربما نرى صراعاً بين القوى الدولية الكبرى على امتلاك الفضاء، كذلك الذي نشهده في سعي تلك القوى على امتلاك مناطق النفوذ على الأرض.

 إن أي سبق علمي حقيقي قد يتم التوصل إليه في الفضاء، سوف تكون نتائجه مبهرة على الأرض، ولا شك أن العالم كله ينتظر؛ ليرى ما ستؤول إليه وقائع منظار ويب في القادم من الأيام والشهور.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"